والتي اتسمت بانفجار في النتاجات الإبداعية خاصة لوحته المميزة ” الصرخة ” (1893) والتي أصبحت شعارا وعنوانا للقلق الإنساني المعاصر وتصويرا لحالة ” الاغتراب ” الإنساني.

وخلال ستة عقود من النتاجات الفنية تحول مونش ليصبح أحد الرسامين الكبار عالميا تميز بغوصه في عمق الذات الإنسانية وتناوله ثيمات كالموت والحب والحياة والخوف والفزع والسوداوية ورمزيات تتناول البؤس والشقاء والمعاناة والمرض.

كما وارتبط اسمة بالبحث عن الروحانيات بعد أفول مرحلة المدرسة الانطباعية في الرسم التي كان من أشهر ممثليها الهولندي فنسنت فان جوخ (1853-1890) والفرنسي بول غوغان (1848-1903) الذين تميزوا بمسحة من نزوع روحي شديد و جعلوا من العاطفة البشرية محورا لإبداعهم. و قد شملت روحانيات مونش الذي نشأ في عائلة شديدة التدين الموقف من الدين فكتب “قد يراني الناس شكاكا و لكن لم انكر و اسخر ابدا من المشاعر الدينية ” و تعتبر لوحته المادونا (1895) محاولة شخصية لفهم قدسية الحياة و لغز الوجود من خلال المنظور الديني.

وتميزت اعماله بقوة الأسلوب الذي وضع الأساس للمدرسة التعبيرية الحديثة في عكسه شعوره الذاتي العميق بالألم والخوف من الجنون وأشارته الى ان المعاناة تغذي ابداعه فاللوحة لديه يجب ان “ترسم بدماء القلب”.

وقد شهد مونش العديد من الصدمات النفسية خلال حياته كموت و الدته في 1868 و من ثم اخته صوفي في 1877 و لحقها أخيه اندرياس في عام 1895 و الانهيار العقلي لأخته لورا في 1890 و جميعها تركت اثارا على تكوينه النفسي و بصمات على نتاجاه الإبداعي و التي عبر عنها في مذكراته ” كانت الملائكة السوداء تحوم فوقي في المهد و لاحقتني طوال حياتي “.

و تؤشر احد لوحاته الأولى عن والده و اخته (1844) الى مدى اتقانه الأسلوب الواقعي و التعبيري و التي حاول ان يعبر فيها عن درجة التصاقه بالعائلة ومدى تأثير الفواجع الشخصية على تكوينه و سلوكه النفسي و ابداعه الفني. الاستثناء الوحيد كان في تعاطفه مع المشاعر الوطنية المطالبة باستقلال النرويج عن السويد التي عبر عنها في جداريات رسمها في بدايات القرن الماضي. وقد تأثر مونش فكريا بالفلاسفة النرويجي سورين كيركجارد (1813-1855) و الألماني آرثر شوبنهاور ( 1788-1860) و فردريك نتشه (1844-1900) و بنظرية شارلز داروين ( 1809-1882) حول التطور و بالكاتب الروسي دوستويفسكي (1821-1881)الذي وصفه بالقادر على النفاذ الى أعماق الروح الإنسانية في رواياته.

وما ميز مونش هو بدء نشاطه الفني في سن الخامسة (و هو بذلك يشبه الموسيقي النمساوي موزارت) و بدعم من عمته كارين جولستاد التي احتضنته ورعته بعد وفاة و الدته. وقد بدأ دراسته الفنية في المدرسة الملكية للتصميم في اوسلوا في 1880 وتركها بعد سنتين. وبدأت مشاركته في معارض الرسم في عام 1883. وقد تنامت قدراته بشكل سريع حيث نظم اول معرض خاص بأعماله في 1889 في مدينة ميونيخ التي عرض فيها لوحات تناولت انطباعات شخصية وعاطفية.

وفي تلك الفترة تعاون مع ماكس راينهارت (1873-1943) وهو مخرج مسرحي وسينمائي في أعداد ديكور لمسرحية “الاشباح” للكاتب النرويجي هنريك أبسن (1828-1906) التي كانت نقدا لخواء وانحلال المجتمع النرويجي. وقد ساهمت مشاركة مونش بالمعارض الدولية الى اعطائه أسلوبه في الرسم بعدا عالميا والذي وصفها في حينه النقاد المحافظين ” ثوري “. وتعرف مونش في رحلته الطويلة البوهيمية الى باريس (1889-1890) على المدرسة الرمزية في الرسم والشعر ومن ثم انتقل بعدها الى برلين حيث استقر فها لمدة ثلاثة سنوات (1892-1896) والتحق بمجموعة من الرسامين والكتاب الذين يرتادون مقهى مشهور حيث أسهمت اللقاءات على تطوير مدرسة ” الرواد ” الحديثة في الرسم و الشعر. وتميزت سنوات حياته البوهيمية هذه بشرب الخمر وتعاطي الافيون. ويعزيها البعض الى صداقته مع الكاتب والفيلسوف النرويجي هانز ياجور (1854-1910) الذي عرف بأفكاره الفوضوية و حياته البوهيمية و الذي نصحه بان يرسم “بروحه و مشاعره”.

وقد تجنب مونش إقامة علاقات عاطفية لسببين الأول هو محاولته للتفرغ للرسم و ثانيا الخوف من ان تتنقل جذور الجنون (التي عزاها الى والده ووالدته) الى أطفاله و مع ذلك عكست لوحاته نظرة تتميز بالحساسية و الإيجابية تجاه المرأة و عزاها بعض النقاد الى تأثير اختيه أنغر و لورا و عمته كارين جولستاد و أيضا الى تأثير الرسامة النرويجية أسترا نوريجارد (1853-1933) التي رعته فنيا و صورته في احد لوحاتها عام 1885 و أيضا علاقاته مع شخصيات نسوية بارزة في النرويج و برلين. و كانت له علاقات عاطفية كارثية و عاصفة مثلا مع خطيبته تولا ماتيلدا لارسن (1869-1942) التي كانت مصدرا وحي لعدد من لوحاته و تخطيطاته و نقوشه الخشبية المشهورة و انتهت بأطلاقه مسدس اصابت اصبعه الوسط و كذلك علاقته اللاحقة مع عازفة الكمان البريطانية أيفا ميدوك ( 1883-1953) و التي استمرت عامين ( وهناك من يعتقد أن مونش هو والد التوأم ايزابيل و كاي اللذان ولدا عام 1908) وقد كانت أيضا مصدر الهام لعدد من لوحاته الشهيرة.

وقد أدت وفاة أسترا نوريجارد الى اصابته بالكأبة ومن ثم بالانهيار العقلي و دخوله المصح في كوبنهاجن عام 1908 و حيث وجد في الرسم العزاء و الخلاص من الألم النفسي الذي كان يعاني منه.

وقد تعددت التشخيصات لحالة النفسية من المتخصصين بالطب النفسي السريري التي اعتمدت أساسا على مذكراته التي يصف فيها حالات الهلوسة السمعية والبصرية التي عانى منها وأيضا اعماله الفنية. فمن هذه التشخيصات على سبيل المثال اضطراب ثنائي القطبية او الذهان او نوبات من الهوس التي تقوده الى اضطراب في السلوك او الكأبة الشديدة التي جعلته يفكر بالانتحار او اضطراب الشخصية.

وكان الخوف من المرض العقلي هاجسا لدى مونش واعتبره قدرا له واثرت كبيرا على محتوى نشاطه الإبداعي و محور اشهر اعماله الفنية مثل لوحة ” الصرخة” التي حاول ان يصور فيها اعلى حالات القلق النفسي و اخر مرحلة من انكسار الروح يتصدرها وجه طفولي يطبق بيدية على راسه و فاغرا فمه بذهول و يأس بينما يحدق في الناظر. وفي مذكراته وصف أدفارد لحظات تبلور اللوحة لدية وهو في العاصمة النرويجية ودرجة إحساسه بالإنهاك والتعب التي كان يشعر بها وسماعه صرخة عالية ذات صدى يتردد باستمرار. ورسمها عدة مرات بالزيت وبألوان الباستيل وأيضا بالنقش على الخشب.

ورافق أتساع شهرته وطنيا و عالميا و ازدياد ثروته تدهور في حالته النفسية و إحساسه بالقلق و الكأبة و عدم الأمان و قلة الاستقرار و الخواء الداخلي. وبعد خروجه من المصح ترك الكحول وقضى سنواته الأخيرة يرسم بعزلة حتى وفاته في 23 كانون ثاني 1944 وهو في خوف من ان تصادر السلطات الفاشية نتاجاته الفنية حيث احتفظ بمعظمها في الطابق الثاني من بيته خاصة بعد احتلال المانيا للنرويج.

وقد وصفت النازية نتاجات مونش بالبرية و الانحراف و الانحطاط وان على الرسام العودة الى الكهوف ( الى جانب اعمال بيكاسو وماتيس و غوغان) و ازالت 82 من اعماله من المتاحف الألمانية.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.