هذا نص فيه آثار متراكمة عليه. بجلال الشعر وهيبته واعطاه صادق الصائغ ما اراد له ان يتداخل مع سركون بعينيه الزائفتين. وهما يختزان اوفيليا التي استعارت ما عرفت بعضه آلها الشرق وخصوصاً كركوك في الرقص والغناء، وكأن الصائغ ابلغ رسالته عن شفاهية الشرق وقداسة زرقته.

جزئية الاسطورة التي التقطها صادق الصائغ اكتملت لحظة تركها تغني وهي سابحة وسط النهر وكأن الشاعر بث رسالة لسركون عن عشيقته المتخيلة التي تركها تتطهر في النهر وهو يراقب استمرار قبل الغرق حيث ظل شعرها طافياً، مغتسلاً كله وسط النهر وكأن اوفيليا تؤدي طقس بدئيات التطهر التي فاضت بها عقائد الالوهات المؤنثات. مهارة صادق في انتاج الاسطورة المصاغة بقوة الشعر والتماع الذهن. منحت هذه القصيدة فرصة ان تترك الابواك مفتوحة لها على عصفات الاحتمال التي يستولدها الشعر في لحظة من اسرار الارتعاش والتعرف ” حيث بقاء العشيقة وحدها القادرة على ان تكون صاحبة العينين الاكثر حباً، وحدها القادرة على وعده بسعادة تغمر الكون. ولكن هل تعده؟ ان القصيدة، لا تقول بالوعد، ولا تفيه، ومن ثم لا امل من الامل بالوعد / د. عبد الكريم حسن / ص79//

وهي

بافتتنان زهرة طافية

كانت بوحدتها تندغم

تعلو وتهبط

ومع التيار تجري

مستسلمة للغروب

واشجار الطريق

ولجوقة ملائكة

لها تعزف

من مكان مجهول / سبق ذكره العدد / 1

مهارة الشاعر المشبع بالاجتماعي وزحمة التشابك بين النوازع العديدة المستولدة لافعال مضادة لما هو حاصل، وكان الصائغ مدركاً لذلك كاشفاً عنه في قصيدة ” سركون بولص ” لم يتجاهل ما يثيره الاجتماعي من اسطوريات جديدة، هي التي قال عنها رولان بارت الاسطورة اليوم ” لكن روح الاسطورة سارية كالنبض الحي في قصيدة اوفيليا التي تبدت نصاً مشحوناً بالميثولوجيا ومتغذياً بمعيوشات البدئيات الراضية بالمثول وسط حياة، تنمو فيها طاقة وهو يصوغ نوعاً من الاساطير مع تراكمات عديدة صاغت مع بعضها طبقات تومئ للنص، كشف عن براعة صادق الصائغ وهو يتلقط مهارات الشفوي ويجعله ميثياً عن الانثى كما تمظهرت في نص ” اوفيليا “.

النزول الى النهر طقس الشاعر المقترح لاوليفيا التي ارادت ان تلقي وسط مائة كل ما تستطيع عليه من نضج ماء للجسد وسيولات خفايا متكتم عليها.

حضرت الانثى / المعشوقة المجازية في المقطع الاول الذي امتد هادئاً مؤكداً على الشريك الذي لم يشر للثنائي بوضوح تام، لأن الشعر دائماً ما يكون كامناً في اللغة وهذا هو السر الاعمق في روح الشعر الذي منح الحضور له وجعله مخزوناً لذاكرة الكائن، مثلما هو شفافية الشفاهي البدئي الذي اختزنته الاسطورة بشكل مكشوف او مسكوت عنه.

النوافذ البعيدة

ينابيع صغيرة

معنا تمشي

وتهبط السفح

في قبلة واحدة

طويلة / مجلة بيت / العدد / ثلاث قصائد / صادق الصائغ //

في هذه القصيدة هداوة صادق الصائغ في توظيف الاسطورة بعد نزعها عن الطقس الذي عرفته البدئية. فالنافذة التي اشتغل على طاقتها الرمزية البريكان ورعد عبد القادر، لعب عليها صادق بآلية صوغ مختلف والحاضر هو الملفوظ الذي تكرر في تجارب شعرية كثيرة، لكن المعاني متباينة ووظف الصائغ النافذة بشكل جديد ومثير ومدهش، لم يتماثل مع من كان من قبل. والمدهش هذا الاشتغال والتوظيف الباشلاري بثنائية المذكر والمؤنث. وما تفضي اليه البحار، البحيرات، الانهار، ومترسبات الماء وتنوعاتها لطاقة الانثى وتنوعات المعنى والدلالة. وتسلل الينابيع الصغيرة هي الخطفة غير الموظفة التي التقطها صادق الصائغ، كاشفاً بمهارة تحركات الانثى كجسد ومل يمنح للمذكر من حساسيات مدوخة.

المثير هو اقتدار الشاعر صادق الصائغ على التلاعب باللغة وفتح المخفي فيها وغير المختبر، لأن صادق الصائغ شاعر ولد وسط فضاء الشعر المنفتح على شعرية قادت اللغة نحو منابع جديدة، خلقت تآلفاً بين ينابيع الماء ومثلها في اللغة. وتجربة الصائغ في هذا النص ” النوافذ البعيدة ” سحرية، التدفق فيها مماثل لسيرورة البدئية وهو تصوغ اللغة عبر الرموز الطقوس. وهنا برزت طاقة صادق ومهارته في الدخول للأسطورة الساكتة، والساكنة وهو بذلك استفاد من باشلار في فلسفته وهو يؤنث الماء ويقرن بينه وبين الانثى، بحيث يحل الواحد بديلاً للأخر، باعتبار الاول قيمة جمالية صرفة، تتبدل ما انطوت عليها مع الاخر. وهذا مارس ضغطاً فنياً عالياً على فتح النص من خلال فضاء اللغة وطاقة بلاغية النماء المؤثر، الى فضاء النص الثقافي كما قال ادريس الخضراوي.

الروح البدئية تصعد ملوحة لنا بالبذخ الشعري عندما قال صادق الصائغ.

ينابيع صغيرة

معنا تمشي

وتهبط السفح

في قبلة واحدة

طويلة

النبع صبية، الينابيع صبايا، ارادهن صادق الصائغ في نصه الاسطوري الذي تجاوز الاسطورة البدئية واضفى عليها ما يحتاجه الشعر بكل خصائصه وصفاته واستعير كلام د. عبد الكريم حسن عن الشاعر انس الحاج:

هل الاصوات اصواتها؟ ام اصواته؟ ام هي اصوات الموسيقى وقد علت لتسمح للعاشقين بأن يقولا ما لا يقولانه همساً؟ وتسمح للعاشق بــ: ان ينحنى على وجنة تحمر فيلفه عطرها.

عطر ” عطور ” ربما بقيت في ” الاشياء ” التي بقيت تسكنها ذكرى لا تزال في حالة النزع؟ هل نسيت ان تأخذها؟ هل ترينها كي يتذكرها؟ كي يظهر له وجهها كلما ضاع في وجهه العطر؟ سبق ذكره د. عبد الكريم حسن / ص150//

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.