أسس دار ثقافة الأطفال في مدينة كربلاء. أسس مكتبة تابعة إلى وزارة الثقافة العراقي / دار الشؤون الثقافية العامّة. بدأ النشر منذ عام 1966 في الصحف والمجلات العراقية والعربية.

له من المؤلفات ما يقرب من خمسين مؤلفا، بين القصة والرواية، والنقد التشكيلي، والنقد الفوتوغرافي، ومنها:

الخروج من الدائرة، ــ قصص ـ وخطوط بيانية، ــ قصص ـ والحفـــــــيد، ــ قصص ـ و مساقط الضوء. ــ قصص ـ وليالي المنافي البعيدة. – رواية – وما قيل وما. ……….. ــ رواية ــ انزياح الحجاب ما بعد الغياب. ــ رواية – والحلم والأسطورة/ مقاربات في الفن التشكيلي، هو الذي روى سيرة نص محمود عبد الوهاب، وأنساق المعنى / ــ دراسات في الرواية الفلسطينية.

التقته المدى في حوار وقفت فيه عند أهم محطات سيرته الإبداعية.

نبدا من النشأة الأولى حدثنا عن مراجعك ومصادرك والبيئة التي عشت فيها، والتي غذت فيك حب الأدب؟

-المحفز الأول هو معلم اللغة العربية في الصف الرابع الابتدائي الأُستاذ(فاضل عباس الكاتب) وبطريقته في تدريس مادة الإنشاء(التعبير) كيف كان يوزع علينا قصص الأطفال. وأتذكر أن حصتي كانت قصة(الراعي الطماع) على شكل كتيب. وفي الدرس الذي تلا طلب منا فتح دفتر الإنشاء بعد أن سحب القصص. وطلب تلخيصها في الدفتر. فكانت درساً بليغاً تحقق من خلال قراءة كل تلميذ لموضوعه، والمعلم يصحح مفردات اللغة على السبورة. تلاه مدرس مادة اللغة العربية في الأول متوسط الأستاذ (حسين الجبوري) الذي درّب نظراتنا على قراءة الكتب ومنها (مسخ كافكا)، وكانت موضوعات الإنشاء غريبة علينا. أتذكر منها (استيقظت فجراً فوجدت نفسك حشرة/ حذائي القديم/ أوراق الخريف) ويتابعنا بمثل ما كان يتابعنا المعلم في الصف الرابع. كذلك لعبت البيئة التي نشأة فيها محفزاً ودوراً كان أساسياً ومركزياً في نشأتي الأدبية بما فيها الصحف التي انتشرت في حقبة الستينيات من القرن الماضي وكنت أقتنيها وأرٌها. ولعل التعدد في خصائص تلك البيئة ساعدت على استنهاض الحس الطبقي وشعوري المفارق في الوسط الذي كنت أعيش داخله، فبدأت منذ تلك الفترة منتمياً سياسياً. نشأت على الجدية في العمل وتنفيذ الواجب والالتزام بما يتوجب أداؤه في الحياة.مما صقل شخصيتي الاجتماعية. كذلك انغماسي في العمل الذي كنت أُمارسه في ورشة صناعة الحلويات، المجاورة لسكننا. كانت علاقات العمل خير تمرين لكشف خصائص المحيط وتنمية الشعور بانتمائي للوجود، وتوسع نظرتي للحياة والعلاقات الاجتماعية. لقد كنت رجلاً في هيئة شاب يستقبل الحياة برغبة رغم منغصاتها. وقبلها نشأتي في الكتاتيب (الملالي) لحفظ أجزاء القرآن الكريم. حيث كان مكتب الملة في خان كبير تدور داخله فعاليات العمل وحركة العمال خاملي البضاعة للتخزين. فقد درست في ثلاث تكيات للصبيان يُدريها (ملّة) وهم (الملا جاسم، الملة أحمد، الملة حلبوص) و(ملاتين) هنَّ (الملاية أُم عبد الرضا، والملاية آسيا). ولا أنسى مشهد راسخ في ذاكرتي يوم اختطف الملة (عبد الرضا) ابن الملاية (أم عبد الرضا) من قبل رجال النظام وضاعت أخباره، وسمعنا أنه اُبعد إلى سجن (نقرة السلمان) وقيل مات في ظروف التعذيب القاسية. وكم كانت مفاجئة عودة (عبد الرضا) بعد ثورة تموز عام 1958 وهو مهدم الجسد، بلغ من الشيخوخة مبلغا لكنه عاد إلى دكانه في قيصرية البزازين يعلم الصبية حفظ أجزاء القرآن كوالدته في البيت. هذه الحادثة وحوادث أُخرى متنت انتمائي إلى الطبقة العاملة والفقراء، وغذت ملكتي العقلية بالوعي المبكر والانشغال بأُمور الحياة. كذلك ادماني على ارتياد دور السينما في مدينة الناصرية كالبطحاء والأندلس والفرات، وأثارتني أفلام حقبة الخمسينيات والستينيات آنذاك بما زخرت فيه مشاهدها بالبيئات المائية والجبلية والصحراوية، خاصة أفلام الكابوي والتيه في صحراء الرمال والمياه كالبحار ومشاهد القراصنة خاصة الرجال ذوي العين الواحدة والأُخرى المنطفئة والمغطاة بقطعة جلد سوداء وأفلام(طرزان). وكم كانت تُثيرني تلك الشخصية وتؤرقني أثناء النوم. كانت القراءة المنظمة وتحت رعاية أمين المكتبة في مدينة الناصرية القاص (صبري حامد) خير من نما عندي حب القراءة بما كان يقدمه لي من تسهيلا الاستعارة الخارجية دون تأمينات مادية، التي كانت محددة بـ (دينار واحد) للكتاب. كما وركزت في ذاتي ملكة القراءة سفري إلى مدينة البصرة والاتصال بأقران خالي الذين نظموا لي قوائم بأسماء الكتب التي يتوجب قراءتها.ثم اطلاعي على الحياة في المدينة التي أجدها مغايرة عما اعتدت عليه في مدينتي خاصة كدور العرض السينمائي وشخصية(تومان) الجاذبة والتي كتب عنها القاص الأب (محمد خضير) تحت اسم(جيجان). كان الرجل يعزف بالناي بواسطة ضخ الهواء من أنفه وهو يتقدم عارضة الدعاية للفلم، مقدماً حركات أكروباتيكية مذهلة وهو يجوب الأسواق والأزقة البصرية،مما شجعه منظر خروج الأطفال مع امهاتهم لمشاهدة المخلوق الأسمر العجيب والنادر في مدينة البصرة بما يقدمه من أداء مذهل وجاذب لأذواق الجميع.مازالت صورة ساعده الموشوم الممتلئ حيث كان يرفع اردان قميصه إلى الأعلى متباهياً بعضلاته ووشمه. مدينة البصر سحرتني بمينائها ومحطة قطاراتها الزاخرة بالأنارة، ثم شط العرب والخورة والسفن الراسية وسط عمقها المائي، وأسواق الجمعة والأحد. وأُلفة البصرة القديمة وسوق حنا الشيخ وسوق البهارات، ومحلة أُم الدجاج. كل هذا ما زال حياً في ذاكرتي.

شاعر وروائي وناقد وناقد تشكيلي، ومتابع ملم للمنجز الفوتوغرافي.. هذه الاهتمامات هل تراها ضرورة للإلمام بكل التجليات الثقافية التي نعرف.. لمن يميل أكثر جاسم عاصي؟

– انطلق من فهم خاص للمثقف والمعرفي، الذي هو بمثابة نقطة الانطلاق في اهتماماتي. سمه ما شئت ولكن سيؤدي بالمحصلة النهائية إلى نوع من بناء شخصية المثقف والمعرفي. الذي يسعى لتنمية المعنى في الذات الساعية للتجاوز والتحقيق المتواصل، لذا عليّ أن أملأ الفراغات والفجوات التي تركتها الأزمنة على ذاتي. التعدد بمفهومي هو سد الثغرات بالمعرفية المعينة على خلق النص مهما كان جنسه في الشعر؛ أنا أكتبه بوجدان مباغت وضاغط نفسي، لكني لا أُفكر بنشره. والرواية سيرتي ومدونتي التي أترك على صفحاتها مفاهيمي التي تقترب من مفاهيم ورؤى الآخر أو تختلف عنه بالتفاصيل، في التشكيل لي تاريخ من العلاقة مع فنانين أصبحوا كباراً وانتشروا في بقاع المهجر. أصبحت لي ذائقة في تلقي محتويات اللوحة، مستنداً إلى وعي ثقافي عام وخاص. كانت فترة الصبا ترتبط مع فنانين منهم (حسين نعمة /فائق حسين/ حيدر عبد الحسين الجاسم، قاسم دراج، مهدي السماوي والعاملين في المسرح آنذاك). وأثارني الفوتوغراف وعطاء الصورة، فاتخذت من منصته للقراءة والالمام بمعينات قراءة الصورة، بعد زيادة معارفي في فن الصورة ونقدها. أما ميلي فهو يتبع عطاء المبدعين، فأنا في منهجي بالكتابة اليومية أعمل على أكثر من محور، سواء قصصي أو روائي وتشكيلي وفوتوغرافي، نقداً وتبصراً. كذلك أأزيد بمثابرة من ثقافة الأمكنة وتطوير رؤاي للمكان. ما زلت أواصل استكمال كتابي عن المكان تحت عنوان (المكان بشاغله. وشاغله بما يتركه من أثر بعد مغادرته) بعد طبع كتابي عن المكان تحت عنوان (بيت الحمام). ليست هنالك اشكالية في التعدد، مازال العطاء يحمل هويته المعرفية وأدواته في التحليل والكشف عن خفايا الجنس. في نقد القصة أعتمد على محصلتي في القراءات النقدية على طول تاريخي من القراءة والكتابة منذ ستينيات القرن المنصرم، كذلك الرواية وحيثيات تشكلها وأُسلوب نقدها، أفادتني في هذا قراءاتي العرضية لكتّاب كبار في الأدب الإنساني مثل(فيدور دستويفسكي/ جوجول/ تورجنيف /مكسيم غوركي /إرنست همنغواي/ نجيب محفوظ/ صنع الله إبراهيم) وغيرهم. هذا النوع من القراءة أسس لرؤى نقدية ميدانية، لأني في القراءة أعتمد على ما أُلف من كتب حول نتاج هؤلاء. لذا كانت قراءاتي نوع من التريب. وهذا النمط كان أيضاً مع التشكيل والفوتوغراف. يحتوي ارشيفي على كم كبير لنتاج الآخرين أدرسه باستمرار لصقل قدرتي على قراءة النص. في الشعر درست معظم المدارس الأدبية التي أسست لأنماط من الكتابة مثل (صالون مي زيادة، وأدب المهجر وجماعة أبولو) وغيرهم.

بدأت منذ منتصف الستينيات، هل تضوعت نتاجاتك الأولى في تلك الفترة بأريج النتاج الستيني الطليعي والمتمرد على الأشكال القديمة؟

– بداية نشرت مع منجز الستينيين، لكني كنت أكثر انتماءً للرعيل السابق واللاحق، في الاهتمام بما يفرزه الواقع بسبب عملي التربوي في بيئات عمالية وفلاحية. فقد عملت خمس سنوات في محطة (لقيط) وسط الصحراء بين صرير عجلات القطارات على الحديد الممتد على الأرض شمالاً وجنوبا وصرخات منبهاتها ليلاً ونهاراً، وعسكرة البدو الرحّل وقبائل الغجر المهجرين إلى المنطقة. كل هذه التنوعات البيئية والأجناس البشرية ساهمت في خلق نموذج لدي تكرس في اهتماماتي في الكتابة قد يختلف عن إفراز الستينيين الذين عاشوا ظروف النكسات السياسية والحروب الخائبة. كذلك عملي الطويل في بيئة الأهوار. فلو اطلعت على مجاميعي القصصية (العشرة) لاستوقفتك ما استطعت أن أستله من تلك البيئة وللآن لا تخلو نصوصي من صور هذه البيئات، وآخرها رواية (ذاكرة القصب) وهي رواية تجمع الكثير من البنيات المتمثلة في شخصيات بيئية تحمل وعياً صاعداً. لقد تأثر قاطني الأهوار بالحركات السياسية التي لاذت في بيئتهم، خاصة بعد حدث سجن الحلة والنفق الذي أحدثه السياسيين تخطيطاً للهرب من السجن. قسماً مهم استقروا في هور الغموكَة لفترة طويلة وتركوا أثراً على سكان الأهوار. هذه البيئة غنية بدلالات رموزها، أمكنة ومياه وايشانات ومرويات، وتاريخ عريق منذ حضارة سومر الأُولى وما طرحته من

رموز أُسطورية. حاولت رصدها بوعي وفهم لطبيعة حياتهم، ونظافة سريرتهم وحبهم للحياة رغم مرارتها. لكنهم ألفوا المياه والقرب من حيوان الجاموس.

كتبت القصة القصيرة والرواية فيما بعد. القصة التي تقدم لنا حدثا في مدة زمنية قصيرة وزمان محدد والرواية التي تزخر بالعديد من الشخصيات المختلفة والمتناقضة والمتصارعة، حول أكثر من حدث وأكثر من مكان، هل كانت كتابة القصة القصيرة بالنسبة لك تمرين للدخول لعالم الرواية أم غير ذلك؟ حدثنا عن ذلك؟

– السرد يمتزج بين الموهبة والممارسة، فلا غرابة في أن تكون كتابة القصة تمرين ليس للوصول لكتابة الرواية وإنما تمرين لضبط جملة السرد وعلاقتها بالفعل. ذلك لأن جملة القصة غير جملة الرواية. صحيح أني ابتدأت بكتابة الرواية متأخراً إذا ما قيست المسافة الزمنية منذ منتصف الستينيات حتى بداية السبعينيات. حيث أنجزت رواية (مستعمرة المياه)، وهي رواية تنتمي إلى (المتوالية السردية) التي ناقشتها الدكتورة (نادية هناوي) ومن ثم الباحث (ناجح المعموري) على الصفحة الثقافية لصحيفة المدى الغراء. وناقشوا بدايتها في المنجز العراقي، وأنا أقول إني ابتدأت باجتراح مصطلح المتوالية مبكراً ونشرت فصلين من الرواية في مجلة الأقلام. كما وأنجز الروائي (جهاد مجيد) رواية (دومة الجندل). وصرّح جهاد في كونه (كتبها دون تجنيس، بينما جاسم جنس الكتابة هذه) وكان هذا تصريح منه لطالبة الماجستير (وسن)حول المتوالية السردية وأحالها لي هاتفياً. وجرى ما جرى ضمن أُطروحة الطالبة التي نوقشت في جامعة كربلاء. وهي رواية تدور حول البحث عن مواجهة حفيظ أُسطورة الجنوب، وقد قرأها البعض كونها تتناص مع ملحمة جلجامش.

بعد ذلك أنجزت روايات محدودة، بسبب كوني أتواصل بكتابة الرواية لزمن لا أضع له حساباً قصيراً. يطول زمن كتابتها وفق اتساع وتنامي رؤيتي للموضوع والشكل الذي أطرحه. وهذا ما حدث في روايات منها (العائد من غفوته/ متوالية الناصري/ ما حفظه الجدار من أسرار)، فهي روايات تتناول التاريخ العراقي بوجهة نظر الروائي كذلك اعتمدت شكلاً مبتكراً كانت الوثيقة دليل الانجاز والمداورة. وهو تاريخ مدننا ذات السحر الأخاذ والأصيل. عملت في كتابة الرواية أن تكون لها علاقة بذاكرة التاريخ دون تحديد الحقبة أو الزمن. فقط أقوم بتوظيف الثيمة من أجل اغناء النص.

قلت في احدى الجلسات الأدبية ” ان طريقة الكتابة لديك هي عملية تقشير لما يمكن استلهامه سواء من التاريخ الخاص والواقعي او من خلال الأسطورة.. وان التقشير لا يعني إعادة كتابة ما هو تاريخي بقدر الاستفادة من المادة لإعادة كتابة الواقع الذي لا يراه سوى الروائي وليس المؤرخ.. ما علاقة الرواية بالتاريخ. وما هي آلية التوظيف للبنية التاريخية من وجهة نظرك؟

-مصطلح التقشير أجترحه الباحث (ناجح المعموري) في بحوثه في مجال الأساطير، معتمداً تفكيك الأُسطورة للوصول إلى علاقتها بالأساطير الأخرى. وأنا استفدت منه في توظيف الموروث في النص سواء في كتابة النص السردي، أو النقدي. ففي الأول أعني تجريد الأسطورة الموروثة من الكثير من خصائصها وعدم نقلها إلى النص كما هي، بل تفكيكها للوصول إلى دلالة مركزها، ومن ثم أفهم وأعي دلالاتها التي تفيدني في كتابة النص والتي تدفعني إلى وضع أُسطورتي للإجابة على الأسئلة التي سوف يطرحها الإنسان بعد أزمنة طويلة. فهو افتراض مستند إلى ما نبذله من جهود لتلقي الأساطير عبر الأزمنة والحقب والعصور القديمة. وقراءتها بتعدد المستويات كملحمة جلجامش التي تحتمل تعدد القراءات. ما قمت به في هذا المضمار هو الإجابة حول أُسطورة الواقع الذي عشنا ونعيش. بمعنى وضع أُسطورتنا التي تحتفظ بظلال ما سبق. أما في باقي الموروثات فإنها تجد لها تداخلاً داخل النص الروائي، ولكن ليس على حساب حداثة السرد والوعي القار للإبداع. لأن ذلك من مهمة المؤرخ. فالروائي يدون ما لم يدونه المؤرخ.هذه المقولة تلخص مثل هذه الرؤية والجهد المبذول لصياغة نص أمين ما فعل كلمرحلته، كتاب منهم (فرمان والتكرلي، وحسين ياسين، لطفية الدليمي، ميسلون هادي) كذلك الكتاب الشباب ذوي التوجهات المشرقة والجادة ومنهم (أحمد سعداوي، سنان انطوان، أنعام كججي، سعد محمد رحيم) على سبيل المثال. أن الأُسطور والحدث في التاريخ خضع ويخضع إلى الإضافات، ومن ثم تداخل معناه وحركته والتقشير يعني محاولة إزالة هذا الاشتباك بروية القراءة ورصانتها دونه انفعال وعاطفة.

للأسطورة لغتها وأسلوب أنساقها، أمكنتها وأزمنتها، وانت ترى أنك ” دفع اشتغالي من فطرية التوظيف إلى وعي التوظيف.. نحن لا نكتب سوى اسطورتنا مع الزمن العراقي القلق” ما الذي كنت تعنيه باننا نكتب اسطورتنا مع الزمن العراقي؟

– لا شك أن ميزات الأُسطورة وحمولتها تختلف عن النصوص الأُخرى، لكن الاقتراب من عالمها يتطلب وعيها معرفياً ومن ثم تنمية القدرة على تفكيكها قصد الوصول إلى نواتها. أو كما ذكر(المعموري/ تقشرها) وكما ذكرنا. لذا فالتعامل مع الأُسطورة محفوف بالحذر من الانزلاق وراء الدهشة وسحرها الأخاذ. وفعلاً هذا ما قصدته بخلق أُسطورتنا. نحن نطّلع على تاريخ الأساطير وتصيبنا الدهشة،نتمتع ونندهش ونستأنس ونُغلب على أمرنا ويأخذ بمشاعرنا سحر عالمها وما تخفيه من معاني،لذا نغفل الجانب الأهم وهو أن هذه المتون المعرفية والطقسية من نتاج عقل الإنسان الأول، ساقته أحاسيسه للتمسك بوسائل دفاعاته. فما الذي يُضير حين نبحث عن وسائل دفاعاتنا ونحن نستُلب يومياً أعز ما نملك، وهو الحرية واستقرار التفكير من أجل الإبداع. أعتقد أننا مطالبون ببذل الجُهد لابتكار دفاعاتنا المعرفية، مفعّلين قوة البحث عن صيرور المعنى الذي نعيش بمواجهته، نحن ننظر إلى عمق الأُسطورة البعيد.أي ما الذي دفع الكاتب أو المُتخيَل آنذاك إلى طرح نموذجه.أي تفكيك الأُسطورة للوقوف على دواخلها. ومن تراكم هذا أصبحت لدي حرفة الكشف والاستعمال والتوظيف كما ذكرت.كل الذي تطلع عليه في سردياتي، يستوقفك موقف ما في المحتوى، ويشغلك مستوى اشتغاله.بمعنى يُثير شغف الجدل مع تلك الأُطروحة،وهو دليل حيوية ونشاط عقلي وذهني مستمر،بمعنى أني أخضع اتي الثقافية والمعرفية، فلا تجد إلا ظل باهت غير معلن عن تفاصيله المرجعي.ولنا في أُسطورة الطوفان درساً بليغاً، فمنذ طوفان (أتونبشتم) في ملحمة جلجامش توالت الطوفانات حتى وصلت إلى(نوح). وكما حدث في رواية (مستعمرة المياه)، حيث أُحيلت نقدياً إلى نص (ملحمة جلجامش) في البحث عن ايشان (حفيظ) وتماثله مع البحث عن (عشبة الخلود). أما بصدد عبارة(الزمن العراقي القلق)فأسأل: كيف نصف زمننا الآن؟) الجواب عندي على الأقل:(إنه زمن أُسطوري لأنه لا يستند إلى منطق وجيه وواضح) وما عليّ إلا أسطرته. وهذه إجابة على عبارة (خلق أُسطورتي). بمعنى ننظر إليه عبر منظور بلاغي، لأن الأُسطورة جزء من بلاغة القول والسرد والروي.إذ يمكن مخاطبة الواقع بمحتوياته المباشرة والعبارة المسكونة بالنقد.وهو توجه يرشح وعي الكاتب.أما وعيي للنص فهو متعلق أُسطوري وتأريخي؛ عليّ استعمالهما بحذر وروية.

 

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.