الذي يدعى نظرية الأنساق المعقّدة في الدوائر الأكاديمية الأكثر تخصصاً من الإطارات الفلسفية العامة -، وقد بات توصيف (الفكر المعقّد أو المركّب) هو الخصيصة الأبرز التي تميّز فكر موران وعمله الممتد منذ أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.

قدّم موران مساهمات مميزة في قطاعات معرفية متباينة مثل: دراسات الإعلام، السياسة، السوسيولوجيا، الأنثروبولوجيا، علم البيئة البشرية، التعليم، بيولوجيا المنظومات المعقّدة، وقد سبق له أن تحصّل على درجات أكاديمية في كلّ من التأريخ والإقتصاد والقانون؛ ومع أنه أقلّ شهرة في العالم الناطق بالإنكليزية بالمقارنة مع شهرته الذائعة في فضاء الثقافة الفرنسية لكنه يبقى شخصية معروفة على أوسع النطاقات الشعبية والأكاديمية في العالم وبخاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.

موران كاتب غزير الإنتاج، وقد نشر عشرات الكتب خلال حياته الممتدّة، وليس غريباً أن ينشر أحياناً ثلاثة كتب أو حتى أربعة وخمسة في السنة الواحدة.

تقترن كلّ حياة طويلة في الغالب بمقادير كبيرة من الخبرات التي قد ترتقي لتكون ” حكمة ” تتعالى على محدّدات الزمان والمكان والبيئة. حكمةٌ من النوع الذي يصحُّ توصيفه بالحكمة المعولمة أو التي يحسنُ عولمتها لكونها مقترنة بالجهد الانساني الشاق في تجريب أنماط حياتية أو أنساق فكرية غير مجرّبة. أظنُّ أنّ إدغار موران Edgar Morin بحياته التي جاوزت القرن يصلحُ لأن يكون نموذجاً قياسياً صالحاً للحكمة المعولمة التي هي نتاجُ قرنٍ من الحراك الفكري والمجتمعي الذي لم يهدأ أو يركن لراحة أو إستسلام أو تخاذل.

تمتد مجالات اشتغال موران على طيف واسع التنوع: من كتابة نصوص الأغنيات الفرنسية إلى الوقائع المشتبكة للأحزاب السياسية والعولمة ومعضلات العلمانية ونجوم السينما والاهتمام بقضايا المستقبل. إستطاع موران توجيه قدرات عقله الإستقصائي الباحث نحو مجموعة واسعة من الموضوعات؛ لكن يبقى الأمر الأكثر إثارة فيه هو طريقته المميزة في التفكير والتي تجعل من أي شيء عنصراً في كلٍّ أكبر متقن الصياغة.

نشر موران بمناسبة بلوغ مئويته كتابه الذي إختار له عنواناً لافتاً ” دروس قرن من الحياة “، وقد سارعت دار نشر صفحة 7 السعودية بنشر ترجمة عربية لهذا الكتاب أواخر عام 2022. ميزةُ هذا الكتاب أنه صغير الحجم لايكاد يتجاوز 150 صفحة في ترجمته العربية، ويمكن قراءته في جلسة ممتدة واحدة. إجتهد موران كثيراً في نقل خلاصات تجربته المئوية في الحياة والتي إختار لكلّ منها عنواناً لفصل من فصول الكتاب السبعة. كلام موران في هذا الكتاب واضحٌ مباشر يتجه لهدفه من غير إلتفافات أو تعميات أو ضباب لفظي أو رغوة لغوية.

يفتتح موران كتابه بمقدمة قصيرة يعلنُ فيها أنه لايريد من هذا الكتاب تقديم دروس لأحد بقدر مايحاول إستخلاص دروس تجربة حياة دنيوية جاوزت القرن، وأنّ كلّ مايرجوه أن تكون هذه المستخلصات مفيدة لكلّ قارئ في مساءلة حياته الخاصة والعثور على طريقه الخاص أيضاً.

الدرس 1: الهوية واحدة ومتعدّدة

يبدأ موران هذا الفصل بسؤال جوهري: من أنا؟ يجيب: أنا إنسان، ثمّ ينطلق في تفكيك عناصر إنسانيته، فيقول أنّ لكلّ فرد هوية واحدة ومتعدّدة، وإنّ الخصيصة الانسانية هي أولاً وقبل أية خصيصة فرعية أو محلية. يفصّلُ موران في هويته الاسبانية والايطالية والاوربية، ثمّ يتناول تداخل الهويات ابتداءً من الهوية العائلية؛ لكنّ هذا التداخل لن يلغي الوحدة العضوية للشخصية المتعدّدة. التعدّد الهوياتي هنا ليس مدخلاً إلى شيزوفرينيا ثقافية أو مجتمعية بقدر ماهو مصدرُ إثراء دائم لنمو الحس الفرداني. في موضع قرب نهاية الفصل يشرع موران في تناول أولّ ملامح مساره الفكري الذي إختطّه وحيداً بعيداً عن المقاربات السائدة والرائجة. يتساءل موران في نهاية هذا الفصل: من أنا في نهاية المطاف؟ فيجيب:

” لستُ مجرد جزء ضئيل من مجتمع، ولحظة فانية في الزمن الذي يمضي. إنّ المجتمع من حيث هو كلٌّ بلغته وثقافته وعاداته يوجد داخلي، وزمني الذي عشته في القرنين العشرين والحادي والعشرين إنما يوجد داخلي…. أنا إنسانٌ واحد من جملة ثمانية مليارات إنسان، أنا فردٌ فريد وعادي، مختلف عن الآخرين وشبيه بهم في آنٍ معاً… إنّ نبذ الهوية الاحادية أو المختزلة، وإدراك وحدة / تعدّد الهوية يعدّان من لوازم الصحة العقلية الكفيلة بتحسين العلاقات الانسانية “.

الدرس 2: كلّ حياة هي سباحة في بحر من اللايقين

لاشيء يقيني في هذه الحياة. ومن علائم هذه اللايقينية أن لاشيء يبقى كما هو. حسنُ الحظ وتعاسته يستتبعان بعضهما في دورة متناوبة لانهائية. في موضع ما من هذا الفصل يقدّم موران أطروحة جميلة عن موضوعة المصادفة من الجانبين الرياضياتي والفلسفي، وكانت من أمتع أطروحات الكتاب. موران له هذه القدرة الاستثنائية على تعشيق الموضوعات التقنية مع المقاربة الفلسفية مستعيناً بذخيرته من الفكاهة والسخرية والقدرة على ربط الموضوعات بمهارة.

كلّ حياة هي غير يقينية: هذا ماينتهي إليه موران في هذا الفصل؛ فيكتب في هذا الشأن:

” أحد الدروس العظمى التي إستخلصتها من حياتي هو الكفّ عن الايمان بدوام الحاضر، واتصال الصيرورة. إنّ إنبثاقات غير المتوقّع المباغتة تعملُ بلا توقّف، وعلى نحو متقطّع في الوقت نفسه، على رجّ أو تحويل حياتنا الفردية، وحياتنا بوصفنا مواطنين، وحياة أمتنا، وحياة الانسانية، تارة نحو الغبطة والسعادة وتارة نحو البلايا والمحن… “.

الدرس 3: فن العيش

” إمنح الحياة لأيامك بدلاً من منح أيامٍ لحياتك “

أن يعيش المرء يعني أن يكون قادراً على التمتّع بالامكانات التي توفّرها الحياة؛ لكنّ هذه القدرة على التمتع ليست مطلقة بسبب أنّ كلّ فردٍ يعيش وسط جماعة بشرية تقيّده بإشتراطات ذات طبيعة عُرْفية وقانونية قد تبدو نذيراً بتضاد مؤذٍ بين الفرد وتلك الجماعة البشرية. الذكاء البشري والكياسة الاخلاقية كفيلتان بإنارة ظلمة هذا التضاد بين التطلعات الشخصية والاشتراطات المجتمعية:

” إنّ تطلّع الفرد إلى تحقيق أمانيه الفردية مع إرتباطه في الوقت نفسه بالمجتمع و/ أو الغير ينطوي على تناقض جوّاني جوهري، ويمكن أن يخلق مشكلات صعبة؛ لكنه يظلّ تطلعاً إنسانياً أساسياً….. ماذا نفعلُ بحيواتنا إنْ لم نحافظ على فنّ العيش بلاهوادة؟ “

يجب الاشارة هنا أنّ موران يخصّصُ جزءاً من هذا الفصل (أسماه ” الحالة الشعرية والسعادة ” للحديث عن تجربته الشعرية التي يراها واحدة من أهمّ بواعث سعادته في الحياة.

الدرس 4: التعقيد الانساني

العقلنة الكاملة تنتهي إلى خواء وحياة فقيرة الامكانيات، والحياة المنفلتة هي عبث غير مجدٍ وغير منتج. لابدّ من تعشيق العقلنة بالمشاعر والهوى والشعر.

” إنّ العقل الخالص والجليدي غير إنساني وغير معقول في الوقت نفسه؛ لذلك كان العيش فناً مريباً وصعباً حيث يجب إخضاع كلّ هوىً لمراقبة العقل حتى لايسْتَسْلَمَ للغواية، وحيث يجب أن يكون الهوى محرّك كلّ عقلٍ بدءاً من هوى المعرفة… “

الدرس 5: معضلات السياسة

ليس عصياً على المرء أن يشهد معالم التراجع في السياسات الدولية – تلك السياسات التي فاقمت مساوئ الحضارة الغربية وقلّصت آثارها الايجابية:

” إنني أستخلصُ درساً مفادهُ أنّ التقدّم الاقتصادي والتقني قد يتضمّنُ تراجعاً سياسياً وحضارياً، وهو الامر الذي مافتئ يزداد وضوحاً في القرن الحادي والعشرين… “

يفردُ موران اهمية خاصة في هذا الفصل للوعي الايكولوجي (البيئي) كمثال على تقاعس الفعل السياسي العالمي، كما يشيرُ بأهمية خاصة إلى تلك الانعطافة التاريخية بداية ثمانينيات القرن العشرين عندما تعاضدت السياسات الاقتصادية التاتشرية مع الريغانية في إعلاء شأن النيوليبرالية التي ساهمت في إثراء الاغنياء وإفقار الفقراء.

الدرس 6: المخاطر الجديدة

المخاطر الجديدة هي تلك المقترنة بتعاظم العولمة التقنية – الاقتصادية، وهيمنة نزعة التربّح على العالم بأكمله، وأزمة الديمقراطيات العالمية، والتغوّل النيوليبرالي، ومعضلات المخاطر الوجودية المتصلة بتخليق أنماط جديدة من التقنيات. يدعو موران إلى نمط من الإنسية الجديدة كترياق ممكن لهذه المعضلات.

الدرس 7: خطأ الاستهانة بالخطأ

” الروح العلمية تتشكّلُ من مجموعة أخطاء مصحّحة “

يشيرُ موران في الفصل السابع أنّ إحتمال وقوع الخطأ واردٌ في كلّ حياة إنسانية وشخصية واجتماعية وتاريخية، وفي كلّ قرار وكلّ فعل، وأنه يمكن أن يؤدي إلى كوارث. يتحدث موران بصفة مخصوصة عن خطأين كبيرين إرتكبهما في بواكير حياته، ثمّ يتناولُ أطروحة فلسفية عن مصادر الخطأ التي يتناولها منفردةً بتفاصيل مثيرة.

كتاب موران هذا مثالٌ حيّ لاجتماع الحكمة المعتّقة بالمعرفة الرصينة، وهذا الاجتماع هو مصدر فرادة هذا الكتاب الذي منحني ساعاتٍ من قراءة ممتعة تعشّقت فيها التفاصيل الشخصية بالكمّ المعرفي والفلسفي الذي تختزنه شخصية موران الثرية.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.