ولم يعرف النقد العراقي في بواكيره مثل هذا الإشباع، ليس لأن عدد الأدباء كان محدودا، بل لأن النقد كان حريصا على متابعة كل ما تنشره الصحف والمجلات من قصائد وقصص قصيرة مع أنه كان وقتذاك بلا رؤى كبيرة أو مفاهيم أو مناهج علمية مضبوطة تماما. أما النقد العراقي المعاصر، فعرف ظاهرة الإشباع لكن ليس بالدرجة التي عليها نقدنا الراهن من ناحية شدة التخندق عند أسماء أدبية معينة، لتكون هي العينة التمثيلية التي عليها يبني هذا النقد أحكامه واستنتاجاته في الشعر والسرد.

وتتأتى أسباب الإشباع من مصادر عدة، أهمها استمالة بعض الأدباء دارسي الشعر والسرد من أجل الكتابة عنهم أو أن النقاد والدارسين أنفسهم يستميلون رضا بعض الأدباء الذين لهم صيت أو أهمية أو مركزية فيتناولون أعمالهم الإبداعية بكثافة مجترة. أما محصلات الإشباع النقدي، فوخيمة كونها تؤدي إلى الفتور في ملاحقة الظواهر وتشخيص حسنات أو علل المنجز الأدبي العراقي.

ولأن دور صحافتنا الثقافية فعّال ومشهود في نشر نتاجات الأدباء وبخاصة نتاجات المعروفين، تكون الكرة ملقاة في ملعب النقاد كي يتحركوا وينفضوا عنهم حالة الإشباع.

ومنذ أن شخصتُ هذه الحالة، وأنا أسعى إلى خرق نمطيتها وكسر رتابتها من خلال متابعة ما تنشره الصحافة الثقافية من قصائد وقصص لأدباء معروفين أو مغمورين، وتشخيص ما فيها من اشتغالات فنية ثم الكتابة عنها ونقدها. وقادني هذا الاهتمام إلى بعض الاعمال الجديدة المنشورة في الصحافة الثقافية.

وانطلاقا من هذا الوازع في نفض ونقض حالة الإجترار في النقد الراهن، أقف عند نص شعري جديد نشرته جريدة الصباح في عددها الصادر يوم الاثنين 31 تموز 2023 للشاعر ياسين طه حافظ بعنوان(قصائد عن المستنقع والوردة) ويشكل هذا النص امتدادا طبيعيا للخط الشعري الذي عُرف به الأستاذ والمترجم ياسين طه حافظ على طول مسيرته الأدبية. وبسببه احتل مكانا واضحا على خريطة الشعر العراقي المعاصر، فلم يتعكز على مقولة جيل الستينيات التي كان أكثر مجايليه قد تعكزوا عليها ودافعوا عنها بمناكبهم كما لم يصطف مع اليمين الشعري المعتزل ولا ناصر اليسار الشعري المتمرد، بل فضّل المكوث عند واحة الشعر بقضها وقضيضها، متخذا الحداثة خيارا لا هدفا، مثابرا على كتابة الشعر الحر.

وعلى الرغم من تأثره بالشعر الانجليزي الكلاسيكي والحداثي ـ وهو الذي ترجم كثيرا منه ونشر دراسات عنه ـ فإن ذلك لم يحرفه عن جادة التحديث النازكي ـ السيابي، بل بالعكس كان تأثره بالشعر الانجليزي سببا في أن يكون إحساسه عاليا بجماليات(الشعر الحر)، فظلَّ منشدّا إلى الوزن العروضي في نظم الشعر، متمسكا بالتفعيلة معطى ومؤدى، لإدراكه العميق أن حيوية القصيدة ليست في حداثتها حسب، بل هي في أن يعبر شاعرها عن ذاته بلا كد ولا وكد فتأتي القصيدة موزونة صوتا ومطعمة بالسردية والدرامية موضوعا. وهذه هي مقومات قصيدة ياسين طه حافظ كمبنى ومعطى، تجمع الانضباط بالانفلات، والبساطة بالامتناع، والرقة بالشدة، والتحرر بالتقيد حتى أن كل قصيدة من قصائده وابتداء من البواكير تتألف من وجه رومانسي شفيف وقفا كلاسيكي موزون.

وإذ نقول إن شعرية ياسين طه حافظ مثال حي على ما تعنيه حركة الشعر الحر من مداليل، فلأنه عرف كيف يجعل الحرية مقيدة ويصنع من الانضباط تحررا فيدمج الوزنين ليكونا وزنا واحدا أي تفعيلة واحدة. وهو ما قصدته نازك الملائكة حين وسمت هذا الشعر بأنه حر. وصحيح أن كثيرا من الشعراء كتبوا الشعر الحر، بيد أن ياسين طه حافظ اختلف عنهم في أنه لم يهو التجريب ولا ناهض حركة الشعر الحر مما كان أكثر شعراء العقد السابع/ الستيني قد أعلنوا القطيعة مع روادها، بل اطمأن إلى الشعر الحر وعده ناجزا لا يحتاج تجريبا.

ومن الجدير ذكره هنا أن كثيرا من النقاد والشعراء عدوا مقولة (الشعر الحر) غير دقيقة لأنها تعني التخلص من الوزن والقافية، فاستبدلوها بمقولة(شعر التفعيلة) وقد لامت نازك الملائكة من قال(إن الشعر الحر ليس موزونا وإنما هو نثر)

وتتجلى الصورة التي رسمتها نازك الملائكة للشعر الحر في (قصائد عن المستنقع والوردة) وفيه يتأكد صدق قولها:(سيبقى الشعر الحر قائما ما قام الشعر العربي وما لبثت العواطف الإنسانية وسوف ينتهي التطرف إلى اتزان رصين ويجني الأدب العربي من الحركة ثمراتها). وما نلمسه في هذا النص للوهلة الأولى انه قصيدة ثلاثية المقاطع منضبطة وزنيا ومعززة بعاطفة نابعة من إحساس بالطبيعة وعلاقتها الصميمة بالإنسان الذي أضاع البوصلة ولم يعد يعرف موقعه من العالم، مما يجعله مثار التعاطف والإشفاق.

ولان العملية الشعرية هي نتاج السيكولوجية البشرية، تتجلى في القصيدة(رابطة خفية بين الشاعر ولغته التي يستعملها في نظم الشعر) فيستسلم للغة طائعا، مطمئنا إلى ما لديه من طبع شعري وموهبة. وهذا يعني أن اللغة ليست مجرد أداة هدفها التعبير، بل اللغة هي الهدف لأنها كما تقول نازك الملائكة:(كنز الشاعر وثروته وجنيته الملهمة، هي الوردة التي تتفتح بين يدي الشاعر).

وما بين الإحساس الداخلي باللغة وضياع البوصلة في معرفة العالم الخارجي، يتقوقع الإنسان المعاصر حول نفسه فيشعر بالابتهاج، لكن العالم الخارجي يتربص به ويضغط بأهواله عليه مستلبا تلك البهجة، تاركا الإنسان في وحدته يشعر بالانكسار.

وهذا هو ما نسميه(انكسار البهجة) وبه توسم شعرية ياسين طه حافظ التي فيها الإنسان كائن واع وغير واع، محاصر ما بين سوداوية الانكسار واخضرار البهجة، فيختار الصمت ويلوذ بالغربة ويستكين منغلقا حسيا على معاناته لكنه في الآن نفسه منفتح بالشعر على كل شيء مهما كان صغيرا ويوميا ومبتذلا، تتحكم فيه اللغة فيشعر أنه متحرر.

إن شعرية انكسار البهجة هي تشكيل لغوي من متضادات، تجعل التعبير على رقته قويا والقصيدة على عفويتها وسلاستها صلدة. وإذ لا نلمس في شعرية انكسار البهجة تجريبا، فإن في ذلك دليلا على تأثر ياسين طه حافظ بطريقة بعض الشعراء الانجليز الذين لم يعرفوا التجريب ولا الانتماء إلى حركات أو جماعات. فكان لهم طبعهم الأليف وحساسيتهم المفرطة في التعامل مع الأشياء، وفي مقدمة هؤلاء الشعراء: فيليب لاركن وروبرت بروك واودن وروزنبرج وادوارد توماس. ولشعرية انكسار البهجة في (قصائد عن المستنقع والوردة) مصدران أساسيان تستمد منهما طاقتها التعبيرية:

أولا/ الأشياء:

تشكل أشياء الطبيعة وعناصرها عالما من البهجة وبلا رتوش(الكرمة/ الحرير /الأبقار/ الثمار/ الطحالب/ الشمس.. الخ) لكن ثلاثة منها هي(الضوء/ السقف/ الأرصفة) تذكر الإنسان بانكساره، فيتحول ابتهاجه حزنا، ويخيم الوجوم عليه ويفقد الطمأنينة ويتألم لأنه الآن في موضع المساءلة والاتهام، يُحاسب بمضض ويُنهر بقسوة ويُعاتب بوجع وغلظة:

أنت إذاً أفسدت الصفقةَ،

الكرْمةُ ظلّت يابسةً

وحريرُكَ قشُّ الأبقار.

إنه غير متصالح مع صوت الحساب، تخونه الكلمات ويستفزه سؤال(من أنت هنا، ماذا تفعلْ؟) فيعرف انه مجرد خفقة ضوء سرعان ما تزول فلا تترك أثرا:

وأنا بينهما خفقة ضوء يفنى

لا وقتَ لأسأل عن معنى

ولأن هذا الإنسان كائن خطاء، لذا عليه الاعتراف أنه(فانٍ/ مفسد/ خائن/ متهافت/ مزوق/ مرتجف) هو مثل الفراشة (لا تلمسه الحكمة إلا احترقت) وما بين ماض كان فيه العالم بستانا من لذائذ الحياة وبين حاضر فيه العالم بؤرة من الفناء والشراهة، يغدو الإنسان(خفقة ضوء) حائرا وضائعا ومنكسرا بانكسار الابتهاج بالأشياء، فيواجه (التحديق في السقف) ليكتشف أنه زمن الخيبات وقد تلاشت الحكمة وحلت الرعونة محلها.

ويصبح الإنسان المنكسر ظلا ينوء تحت سقف يفزعه، وتدور به الأرض تائهةٌ ما بين الكواكب، فيستجمع شجاعته وينطلق صوته متكلما(صوتٌ يُفزعُ جمجمتي: أين أنا؟) وتصطدمه وجوه خائبة وأخرى متناحرة، فيهمُّ بالبحث عن مخرج، ولكن المفارقة هي أن المخرج نفسه جحيم من التيهان والحيرة والخيبة والصدمة، فينادي دانتي: (يا “دانتي” هل أخرج منها؟) ويأتي الجواب مخيبا لأفق توقعه في شكل سؤال استنكاري(حتى الآن تحدّق باللا شيءْ؟) ويتأكد له انكسار بهجته وأن الجحيم حقيقة لا مفر منها ولا يمكن نكرانها، وما من حل سوى القبول بالذات ظلا لا قدرة له سوى على التحديق في اللاشيء الذي فيه فقدت الأشياء بهجة حضورها شاردة وواردة:

ابقَ كما أنتَ هنا

عيناكَ إلى السقف الميت حتى الفجرْ!”

وماذا يبقى من الإنسان وقد بلغت به قدماه الحضيض وتحطم عنفوانه وتدمرت بهجته واشتد حسابه على ما كان قد ألحقه بالعالم من قبح وفساد، فقايض الصدق بالكذب وساوم على الحقيقة ونافق حتى فقد وجهه ووجهته، وغدا خفقة منكسرة بالضوء وظلا يحدق في اللاشيء. وبانسيابية وزنية يأتي المقطع الثالث (والظلال تمسح الأرصفة) مكملا مشهد الحساب المأساوي وقد اجتمع الظل بظلال مثله، وراح يتسكع في الآفاق بلا هدف، مقلوبا على رأسه بلا معنى وبلا علم، فيتداعى في لا وعي الإنسا شريط الذكريات فيعرف حينها حاله ومآله فهو بلا هوية انه مجهول الكيان وضائع في المكان، وكل أفعاله وأقواله هباء يذروه السدى والنسيان.

ثانيا/ الألوان:

ما بين نمطية المداومة على الشعر الحر والتأثر بالشعراء الانجليز غير المنتمين الى حركات أو جماعات، تصطبغ شعرية ياسين طه حافظ بلونين: الأول محلي يشوبه الانكسار والأخر عالمي يتسم بالابتهاج. والمحصلة بناء شعري أخضر المبنى من ناحية المضامين الصورية والانطباعية بعناصرها الطبيعية كالشجر والطير والماء والصحراء، وقاتم المحتوى من ناحية ما تشعر به الذات في عالمها الداخلي من أسى، يثقله الوجع والحزن واللوعة. ولا تقتصر هذه السمة على نصوص ياسين طه حافظ الشعرية بل تشمل النصوص الشعرية التي يختار ترجمتها لشعراء غربيين ومنهم روبرت بروك.

ومن المهم ألا يذهب الظن بعيدا فنتصور أن الشاعر الانجليزي ابتدع هذه الشعرية من تلقاء نفسه ومن دون وجود مرجعيات فنية قادته إليها. فشعر الغزل العربي يفيض بمشاعر الحب والحزن المقترنة في الأغلب بالنسيب والتشبيب العذريين. ولشدة جمالية هذا الاقتران ولشيوعه على مدى العصور من بغداد إلى الأندلس، أثر تأثيرا كبيرا ومشهودا في شعراء التروبادور الذين نقلوه بدورهم إلى شعراء البروفانس الغنائيين في جنوب فرنسا. وظهر في أوربا أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ما يسمى بفن الكورتيزياCortezia الذي به تأثر شعراء الرومانسية فتحرروا من قيود الشعر المسرحي.

وعلى الرغم من أفول الرومانسية، فان بعض الشعراء الانجليز المعاصرين مثل ويستن هيو اودن واديث ستويل وديلان توماس وفيليب لاركن وتوماس هاردي وكينجسلي اميس، استمروا يسيرون على وفق المذهب الرومانسي تأثرا بالمصدر الأول إلا وهو الشعر العربي.

ويعد الشاعر فيليب لاركن Philip Larkin من أكثر الشعراء الانجليز تأثيرا في الشاعر ياسين طه حافظ؛ فهو مثله يألف البساطة ويعشق التلقائية وشعريته خضراء تستمد ماء إيقاعها من تناغم الإنسان مع الطبيعة تناغما منسجما وموحدا. ولقد داوم ياسين طه حافظ على التعبير عن هذه الشعرية الخضراء فتتكثف شعرية انكسار البهجة بسواد الأسى القاتم وخضرة التفاؤل المفعم بالأمل.

إن شعر ياسين طه حافظ بمجموعه هو شعر الابتهاج بالطبيعة التي فيها الوردة ماض جميل والمستنقع حاضر أليم، يحول الابتهاج إلى انكسار. وما من تجاوز للماضي ولا مغادرة للحاضر نحو المستقبل إلا حين تتضح رؤية الابتهاج الأخضر الطبيعي مفصولا عن الانكسار الأسود البشري، وهو ما انتهت إليه(قصائد عن المستنقع والوردة) وفيها تجسدت تجربة ياسين طه حافظ الشعرية وتأكدت خصوصية جمالياتها.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.