تقول سلاكِل إن الجهل سواء كان بوعي أو بدون وعي دائمًا ما كان جزءًا من الحالة البشرية، وما تغير في عالم ما بعد الحقيقة وما بعد الصناعة هو شعورنا في معظم الأوقات بالإرهاق الناتج عن التدفق المستمر للمعلومات -الحقيقي منها والمضلل- حتى أصبحنا عاجزين عن التمييز في بعض الأحيان بين الحق والباطل، ونتيجة لذلك، برز رد فعل عنيف ضد فكرة الخبرة وازداد عدد الأشخاص الذين يختارون -واقعًا -عدم المعرفة. وحللت من ناحية أخرى كيف تجد المجتمعات طرقًا جديدة لرفض المعلومات التي قد تقوض هياكل السلطة أو الآليات الأيديولوجية التي تحافظ على النظام الحالي.

وشرحت كيف اكتسبت قوة الجهل في مجتمعات ما بعد الصناعة القائمة على المعرفة قوة جديدة مدهشة، حتى مع تمكن الناس في الوقت الحاضر من معرفة المزيد عن بعضهم بعضا وأنفسهم أكثر من أي وقت مضى بمساعدة العلم والتقنيات الحديثة. كما أن الطريقة التي نتعامل بها مع المعرفة ليست محايدة مُطلقًا، ولهذا السبب، مصطلح passion (الذي يُعرّفه قاموس ميريام ويبستر الشهير: شغف، رغبة، ولع، سيطرة على شعور أو قناعة) يمكن أن يساعدنا في فهم سبب اعتناق الناس لما يُنظر إليه على أنه حقيقة، ولماذا يتجاهلون ذلك أو ينفونه أو يرفضونه. فالفضول بالنسبة إلى البعض هو شغف، وعندما يتوقف الناس عن التشكيك في المعرفة الراسخة، فإن الافتقار إلى هذا الشغف قد يفتح أبواباً جديدة للجهل.

ومع أن مخاطر الجهل واضحة إلا أن ريناتا تتحدى افتراضاتنا المُسبقة وتُظهر لنا أن للجهل منافع في مواضع معينة، وأنه من خلال معالجة دوره في المجتمع، قد نتمكن من استعادة دور المعرفة. ويستدعي التغير الثوري في طبيعة المعرفة إلى إعادة النظر في ما يعنيه مصطلح “الجهل”، فمَع ظهور أنواع مختلفة من المعلومات، يظهر مستوى آخر من المخاوف مدفوعًا بصعوبات فهم ما تعنيه هذهِ المعلومات، ومَنْ يمكنه الولوج إليها واستخدامها أو التلاعب بها.

وتستكشف بالاعتماد على الفلسفة والنظرية الاجتماعية والتحليل النفسي والثقافة الشعبية وتجربتها الخاصة، كيف يتبلور شغف الجهل في جوانب الحياة المختلفة اليوم، من الحب والمرض والصدمات والخوف من الفشل إلى علم الوراثة والطب الشرعي، وتخلص إلى أن الجهل ظاهرة معقدة يمكن أن تفيد الأفراد والمجتمع ككل أحيانًا.

“لطالما وجد الناسُ طرقًا شتّى ليغلقوا أعينهم ويصمّوا آذانهم ويكمموا أفواههم ليتجاهلوا المعلومات التي تزعجهم وينكرونها ويرفضونها”.

وتناولت الكاتبة موضوعين مرتبطين ارتباطًا وثيقًا: عدم المعرفة (الجهل) وعدم الاقرار بالشيء (التجاهل)، ولكلتا الحالتين الذهنيتين صلة كبيرة بمجتمعنا وثقافتنا وحياتنا الفكرية في الوقت الراهن، ومع أنهما يُسببان مشاكل، قد يكون لهما منافع أحيانًا. فعلى سبيل المثال، يمثل الجهل خطرًا عندما يُعامل على أنَّه فضيلة في حد ذاته، أو إذا كان يُنظر إليه على أنه مثلبة علينا الهروب منها من خلال الاستهلاك في “اقتصاد المعرفة” ما بعد الحداثي. وفي المقابل، يوّفر الجهل حاجزًا طبيعيًا ونحن نسعى لفهم مَنْ نحن وما هو مكاننا في هذا العالم، ويشير الجهل إلى النقطة التي يصل عندها حدّ معرفة، بكلمات أخرى، يضع حدًا لما نتوقعه من الفرد والمجتمع على حدٍ سواء.

ويأخذ فعل التجاهل/الإنكار -بوعي أو بدون وعي- أشكالًا متعددة، ففي بعض الأحيان، قد ينكر المرء ما يراه بجلاء كاستراتيجية يعتمد عليها بقاءه على قيد الحياة، وقد يديم الإنكار الخوف الجماعي الذي تعتمد عليه العلاقات المسيئة والتسلسل الهرمي المستبد.

“عندما يقمع الناس فكرة أو صورة أو ذكرى، فإنهم يخرجونها من عقولهم الواعية، وبذا تكون هذهِ الفكرة أو الصورة أو الذكرى طي النسيان لأن العقل الواعي لا يمكنه احتمال معرفتها”

لكن الجهل قد يكون أيضًا وسيلة لرفض الاعتراف بهياكل السلطة هذهِ، وبالتالي إضعافها أو حتى إسقاطها. ويمكن أن تساعد معرفة التحليل النفسي لمواقف الناس تجاه الحقيقة في تحليل أشكال الجهل في مجتمع ما بعد الصناعة. بالنظر إلى قوة علم الوراثة والطب الشرعي والبيانات الضخمة، من المهم النظر في كيفية استيعاب الناس لهذهِ المعرفة الجديدة وكيف تخلق هذهِ العلوم معتقدات جديدة في الحقيقة وأشكالًا جديدة من الجهل.

في الفصل الأول (الأوجه المتعددة للجهل) تسأل المؤلفة: كيف تغير تصورنا للجهل في المجتمع الغربي المعاصر؟ وكيف أصبح اقتصاد المعرفة اقتصادًا للجهل؟ ومحاولات لفهم كيف يتقبل الناس الجهل والإنكار في أوقات الأزمات، وكيف يمكن اعتماد هذهِ الاستراتيجية لضحايا الحروب.

إن تجاهل شيء ما يعني إنكار أهميته أو وجوده، والتغاضي عنه. وعلى النقيض من ذلك، الجهل بالشيء ينطوي على نقص في الوعي بوجوده أو معناه الفعلي أو المحتمل في الكون. كما إن الفرق بين فعل التجاهل والجهل يعني ضمنًا التمييز الأخلاقي بين حالة المسؤولية وحالة البراءة. إن تجاهل الشيء الذي ندركه فعليًا يتضمن السعي لاستعادة حالة النعيم التي قدمها الجهل الأصلي ذات مرة.

ويستخدم الناس في حياتنا اليومية أشكالًا متنوعة من الغباء الوقائي أو الجهل المتعمد كأن يدّعي بروفسور في جامعة مرموقة أنّه لم يسرق جهد الباحث عندما استغل بحثه لأغراض تجارية خاصة دون إذنه، ببساطة لأنه لا يعرف أن ما فعله يعتبر سرقة.

وناقشت لماذا مع سهولة الحصول على المعلومات ونطاق الإجراءات الطبية المتاحة ومخاطرها، غالبًا ما يختار الناس تجاهل حالتهم الصحية أو إنكارها؟ وغالبًا ما كان الحقل الطبي في صراع بين إخفاء الحقائق المؤلمة عن المريض وبين حقه في معرفة ذلك. واسترسلت في مواضيع مثل: هل النكران فعل أخلاقي؟ وهل يمكن أن تؤلم الحقيقة؟ وقوة النكران وما إلى ذلك.

قد يتوقع المرء أنّه في ظل التكنلوجيا الحديثة ومواقع التواصل أن الوقوع في الحب أصبح أسهل من السابق، لكن العكس هو الصحيح بسبب الخوارزميات. وعندما تحدث جاك لاكان عن الحب، أشار إلى أننا في الحب نهب (أو نعد بأن نهب) ما ليس لدينا ونسعى ونرى في الآخرين ما لا يمتلكونه، وننسج خيالًا لنغطي على “نقص” الآخر، وعندما ينهار هذا الخيال يتلاشى الحب أو نستبدله بالكراهية. وكما هي الحال مع الحب، نحتاج التجاهل لنكره؛ نحتاج أن نغمض أعيننا عن أوجه التشابه بيننا وبين من نكره. يشعر كثير من الناس في المجتمع شديد الفردانية بأنهم عرضة لتجاهل المتجمع والأفراد. وطرحت في الفصل السابع والأخير “وهم البيانات الضخمة” وكيف يعتمد المتحكمون بالمجتمع اليوم، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو التجارية، إلى حد كبير على التحليل والتلاعب والتحكم في سلوك الناس بمساعدة البيانات التي تُجمع عنهم عن طريق التطبيقات في أجهزتهم الذكية. “مع أننا نوافق طواعية على السماح للتطبيقات أو المواقع بالوصول إلى بياناتنا الشخصية، فأننا نميل إلى تجاهل حقيقة استخدام بياناتنا بطريقة قد تضرنا.

صدر الكتاب في سبتمبر 2020 عن جامعة برينستون ويقع في 208 صفحة للكاتبة ريناتا سلاكِل الفيلسوفة والباحثة في الاجتماع، نشرت عدّة كتب منها The Tyranny of Choice و On Anxiety.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.