فإرهاصات تأسيس المدى كانت عبر تفصيلة معينة تنبثق في نموها وعطائها، مؤكدة حضورها اللافت في المشهد الثقافي العربي، لتلتحم مع تفصيلة أخرى بنشاط ثقافي مختلف، وهكذا اكتملت هذه التفاصيل، مثل لبنات صفت مع بعض لتتجلى مؤسسة عملاقة هي مؤسسة المدى للأعلام والثقافة والفنون. التي تحفل بعامها العشرين.

ومنذ تأسيسها في بغداد بعد سقوط الدكتاتور عام 2003 ، فأن المدى أصبحت منارة ثقافية لا يعلى عليها، حيث رأى المثقفون العراقيون فيها بديلا عن وزارة الثقافة العراقية، لما قدمته من خدمات كبيرة للمثقفين، ونشاطات مختلفة، كان ابرزها اللقاء الثقافي الكبير الذي أقامته في ربيع عام 2006 في أربيل، وهو أسبوع المدى الثقافي، الذي هو امتداد للأسابيع التي أقيمت في دمشق قبل عام 2003، حيث تم دعوة اكثر من 600 مثقف من بغداد ومحافظات العراق، ولم تقم فيه نشاطات ثقافية متنوعة وكثيرة حسب، بل أصبح تأسيسا لعدد من المشاريع والأنشطة الثقافية لاحقا. والتي اخذت منها المدى هويتها المعروفي في المشهد الثقافي والإعلامي.

ولعلها المرة الأولى الذي تنهض فيها مؤسسة ثقافية وإعلامية غير رسمية، بهذا الدور الكبير في العراق، من خلال توفير الخدمات للمثقفين، ورعاية نشاطاتهم المختلفة، وأيضا رعاية المواهب الثقافية والفنية في كل المجالات.

ومن هنا صار لزاما على هذه المؤسسة ان توثق لتاريخها الذي يمتد لعشرين عاما، والمطرز بالكثير من المنجزات الثقافية المتحققة وفي مختلف الجوانب.

فبعد أن بدأت (المدى) كمجلة فصلية عربيةفي منتصف الثمانينيات تضم في أسرة تحريرها أبرز مثقفي العالم العربي، ثم دار نشر عربية، تنوعت اصداراتها لتشمل الادب والفنون والسياسة والفكر والتاريخ والسيرة واطلقت سلاسل “نوبل”. مجلة المدى الثقافية الفصلية هيأت الأجواء، للتعريف بهوية الدار ومنطلقاتها وأهدافها والأساليب التي تعتمدها في إنجاز رسالتها الثقافية والفكرية التأسيسية. تعتمد في محتواها على الدراسات الأدبية والثقافية ذات المنحنى الحداثوي وملاحقة التيارات والاتجاهات الحديثة في الأدب والفن.

وتوسعت ميادين (المدى) في سنواتها الاولى، وهي تنطلق من دمشق، مع افتتاح اول مركز لها، لتنظم العروض التشكيلية ومعارض الكتب، واللقاءات الثقافية والفكرية والطاولات المستديرة، مما يعكس توجهاتها واهتماماتها في هذه الميادين الابداعية، وتشرك فيها ابرز وجوه الثقافة والفكر من البلدان العربية.

ومنذ البداية، أعلنت عن نفسها، مجازاً، بوصفها “كميناً ثقافياً” يسعى لاستدراج الاجيال الشابة إلى الحياة الثقافية وكسر الحواجز امامها لبلوغ ذلك. ومع انزياح الاستبداد انطلقت (المدى) في بغداد لتتحول الى مؤسسة للإعلام والثقافة والفنون .

في عام 1994 تم تأسيس دار المدى للنشر والتوزيع نتيجة لتراكم الخبرة وتوسع دائرة العلاقات، والشعور بالحاجة الماسة لتوسيع دائرة القراءة والتوزيع، عملت المدى على انجاز وترسيخ دار للثقافة والنشر، تعنى بأوسع نشر للكتاب وأقرب سعر للكلفة إضافة الى تأسيس مراكز بيع مباشر للكتاب في أكثر من عاصمة عربية وتقديم تسهيلات طباعية للمؤلفين والكتّاب مع المحافظة على جودة المواصفات والاهتمام بتوسيع حركة الكتاب وتداوله في سائر البلدان العربية وبضمنها العراق، وتولت الدار ترجمة ونشر مئات الأعمال المختارة. تأسست الدار في 1994 وسُجلت في قبرص ودمشق وتوسعت بعد ذلك لتشمل بيروت وبغداد واربيل.

في بداية الالفية الثانية استحدثت (المدى) للمرة الأولى عربيا ( أسبوع المدى الثقافي ) دعت للمشاركة في فعالياته مئات المثقفين والمفكرين والفنانين من سائر الأقطار العربية، ومن بلدان أوروبية وكانت جميع فعاليات الأسبوع مجانية، مفتوحة للجمهور، وقد تدفق الآلاف يوميا على فعاليات الأسبوع التي انعكست في وسائل الإعلام العربية على نطاق واسع. وبعد سقوط نظام صدام، انتقلت فعاليات الأسبوع إلى العراق، بداية في أربيل لسنتين متتاليتين، ثم إلى بغداد. ودُعي للمشاركة في السنتين الأولى والثانية أكثر من ثمانمائة مثقف وفنان ومفكر من جميع المحافظات، ومن سائر بلدان اللجوء والمنافي، ونظمت الفعاليات السنوية طوال الأسبوع الثقافي  في مجالات ثقافية عدة.

وكذلك أطلقت أطلقت الدار في سنواتها الأولى العديد من المبادرات لتفعيل الحياة الثقافية، والارتقاء بها وبدور المثقفين والمبدعين والعمل على اعتماد صيغ جديدة لتوسيع دائرة القراءة وتوزيع الكتاب. وفي هذا السياق، بادرت (المدى) لنشر كتاب تنويري يوزع مجانا شهريا مع صحف عربية عدة تحت شعار (كتاب مع جريدة) ومن بين الصحف العربية التي شاركت في المشروع. ومنها: • القبس الكويتية، السفير اللبنانية،  الاتحاد الإماراتية، الثورة السورية،  الايام البحرينية،  القاهرة المصرية،  جريدة المدى العراقية،  الاتحاد العراقية

وبعد 2003 حظيت صحيفة (المدى) والتي أنطلقت قبل عشرين عاما بأوسع ما تحظى به صحيفة محلية وعربية من اهتمام عالمي، إعلامي وسياسي منذ انطلاقتها، ومن اللافت أن صحيفة المدى دشنت أعدادها الأولى بنشر فضيحة (كوبونات النفط) التي أحدثت صدمة في وعي الرأي العام العالمي، تولت الأمم المتحدة متابعتها بتشكيل لجنة تحقيق دولية، انكشفت من خلال ملاحظاتها خيوط الفساد الدولي، وتورط آلاف الشركات والأحزاب والمسؤولين الكبار في العالم، وواصلت المدى نشر ملفات فساد عدة للتصدي لهذه الآفة وغيرها من مظاهر الفساد الإداري والمالي والتعديات على المواطنين وقادت فيما بعد ولا تزال حملة الحريات التي واجهت من خلالها التشريعات والتعليمات التي تتعارض مع حقوق الانسان ومع الحريات الشخصية.

وكان الجانب الثقافي للجريدة هو العصب الأساس في نشاطها، فالى جانب الصفحات الثقافية في الجريدة، والتي أسهمت في إثارة الكثير من الجدل حول ظواهر ثقافية، ونشر على صفحاتها الكثير من الموضوعات التي تناولت الشأن الثقافية بعلاقته بالمجتمع، وبالتغيرات التي عصفت بالبلد، بسلبياتها وايجابياتها، كل ذلك بتشخيص دقيق وعميق. نقول الى جانب هذه الصفحات، وفي المجال الثقافي تحديدا إطلاق المدى ورشة نحاور، وهي صيغ مستحدثة لإشراك الشخصيات الديمقراطية من المثقفين والسياسيين إضافة إلى كبار المسؤولين في التصدي للقضايا الكبرى التي تواجه البلاد والعملية السياسية وقضايا الديمقراطية، ومنها لقاءات (نحاور) والطاولات المستديرة الاقتصادية والثقافية. وتنفرد هذه الورشة بأنها تعقد لقاءات حوارية بين المسؤولين في الحكومة العراقية، وبين الصحفيين في المؤسسات الإعلامية، عبر ندوات منتظمة تعقد كل اسبوعين، وغالبا ما تطرح هموم الشارع العراقي في هذه اللقاءات والأزمات التي يعاني منها العراقيون بشكل عام.

وكذلك انطلاق  معرض للكتاب في أربيل والبصرة ، تواصل (المدى) مساعيها لتوسيع معرض الكتاب الدولي حيث تشارك فيه غالبية دور النشر العربية وأعداد متزايدة من دور النشر الاجنبية، وعبر هذا المعرض دعمت المؤسسة الجامعات والكليات العراقية بكتب علمية متخصصة عن طريق تبرعات بدعوة من المؤسسة وقدمتها المؤسسات الحكومية والمدنية.

معرض الكتاب الدولي ليس مجرد وجه آخر من وجوه حركة النهضة التي أخذت منذ سنوات تعيد صياغة ملامح المدينة وكل المساحات المضيئة ، بل يتداخل مع عملية الاستنهاض التي تنتقل ورشها من ميدان إلى آخر في كل الاتجاهات لتكريس القيم الجديدة المتناسبة مع روح العصر ومتطلباتها وتوسيع مساحات التقدم والتطور التحديثي . إن الكتاب شأنه شأن وسائل الثقافة الأخرى كلها، يحتل موقعاً ريادياً في إطار ما تستهدف تحقيقه الحكومة ومنظمات المجتمع المدني وسائر الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي هذا الاتجاه يتحدد دور معرض الكتاب متجاوزاً الصيغ التقليدية التي باتت تؤثر سلباً على هذه التظاهرة الثقافية الحرة التي كانت في بداياتها أداة لإشاعة القيم الثقافية،وحاملة هماً ثقافياً ومناسبة مفتوحة لتبادل حر للخبر والآراء وتعميقها عبر المشاركة والتفاعل، وهو في هذا السياق أبعد ما يكون من مجرد سوق لتصريف الكتاب والاتجار به. ليقام بعدها في بغداد والبصرة، حاولا أسما مركزيا (معرض العراق الدولي للكتاب).

وإضافة الى إصدار جريدة (تاتو) الثقافية،  وهي جريدة شهرية ثقافية تصدر منتصف كل شهر، صدر عددها الاول في آذار 2009. تعنى الجريدة بالموضوعات الثقافية في مختلف أجناس المعرفة، تلك التي تتخطى المحذورات والتابوات في مختلف مسمياتها، وملاحقة التيارات الحديثة في الثقافة العالمية.. وهي تتبنى انطلاقا من ذلك تجارب الشباب في خروجها عن السائد والمألوف، وايضا التجارب الطليعية في الثقافة بشكل عام.

أصدرت المدى عددا من الملاحق الأسبوعية الأخرى، تصدر عن مؤسسة (المدى) مع الجريدة اليومية متخصصة بحقول: الثقافة، الشخصيات، الاقتصاد، الذاكرة العراقية، الرياضة، بحجم نصفي وبستة عشر صفحة:

– ملحق أوراق ويتناول حركة النشر وما تصدره دور النشر المحلية والعربية والعالمية من كتب ودوريات، كما يعنى بعرض منشورات المؤسسة وبيان أهميتها ومضامينها للقارئ و ملحق ذاكرة عراقية : وهو يعنى بتاريخ العراق الحديث من جوانبه المختلفة، ويحاول هذا الملحق تقديم تفاصيل الحياة بالعراق في الجيل الماضي أو ما يسمى بالزمن الجميل، فضلاً عن عرضه أندر الصور التاريخية وأطرفها. -وملحق كان زمان : وتحيي به ما نشرته الصحافة العربية القديمة من مقالات وتحقيقات وأخبار طريفة عن شتى مشاهد الحياة في الجيل الماضي، ويعتمد الملحق مجلات عربية شهرية كان لها دور كبير في اليقظة وإظهار معالمها في العالم العربي وغيره. وملحق منارات : الذي يعنى بتقديم شخصية عربية أو عالمية من مختلف عهود الفكر الإنساني إلى يومنا، ويكرس كل ملحق تقديم الجوانب الإبداعية والتاريخية المتميزة لكل شخصية. و ملحق عراقيون : وفيه تقدم فيه شخصية عراقية بارزة، عليها إجماع وطني، ولها دور لامع في مسيرة الحياة العامة وأنماط الإبداع، وذلك عبر مجموعة من المقالات والنبذ والنصوص، وعادة يتم الاحتفال بشخصية الملحق في اليوم التالي في بيت (المدى) في شارع المتنبي. إضافة الى  ملحق رياضة المدى .

وكان واحدمن أهم الإنجازات المتعلقة في النشاط الثقافي افتتاح بيت المدى للثقافة والفنون في شارع المتنبي التاريخي المعروف بأنه شارع الثقافة في العراق، حيث يتجمهر الباحثون والمثقفون والشعراء في هذا الشارع خلال العطلة الأسبوعية بشكل خاص، وبقية أيام الأسبوع بشكل عام. وتقيم المؤسسة فعاليات ثقافية وفنية ونشاطات أسبوعية خلال عطلة الأسبوع في البيت، تحيي فيه ذكرى شخصيات بارزة في التاريخ العراقي وتحضر لمتابعتها كل وسائل الإعلام المحلية العربية.

موقع البيت يقع فوق مقهى تاريخي يرتاده المثقفون (مقهى الشابندر) ويضم بيت (المدى) مجموعة زوايا لخدمة المثقفين، هي:

مقهى الانترنت،  معرض الكتاب الدائم،  معرض الفلكلور والموروث الشعبي،  معرض الهدايا،  منتدى ثقافيا،  كافتريا للمثقفين، ومعرضا فوتوغرافيا.

ويقام في كل يوم جمعة من كل أسبوع نشاطا ثقافية يتضمن الاحتفاء بشخصية عراقية، لها ـاثير بالحياة العراقية على مر الزمن، في الثقافة، والاقتصاد، والاجتماع، والسياسة.. وغير ذلك.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.