استخلاص تدوينية الشعر

خالد خضير الصالحي

لم يكن الاهتمام الاستثنائي بدراسة سيزان من قبل جيرترود شتاين ومن بعدها ارنست همنغواي، امرا دون طائل مطلقا؛

فقد كان هؤلاء يدرسون لوحات سيزان ليتشبعا إحساسا بـ(مادية) (الشعري)، وهو ما درسه باشلار في كتابه المهم (الماء والاحلام) باعتباره سعيا لتكثيف البدئي والسرمدي، وفاعلية في الترابط بين (الخيال المادي) وبين صنوها (العلة المادية)، حيث يطمح الشكل الى الغورِ في مادة، فيصبح داخلياً؛ وهو ما نجده في تجربة الرسام العراقي جعفر طاعون، الذي نجده مأخوذا بشعرنة المادة اللونية، وبالتكثيف المادي للنص الشعري؛ فكان معرض (الى اللوحة ايها الفضاء)، الذي أقامه في دار الاندى، ناتج هذا الاندماج الذي شعر به همنغوي وشتاين وباشلار وتلبّس جعفر طاعون لينتجه بالتعاون بينه منتجا للعمل الفني الرسموي، وبين الشاعر ادونيس كاتبا للنصوص الشعرية المرافقة للعمل الفني بخط يده.

لقد كان جعفر طاعون يستقرئ الوجود المادي في نصوص ادونيس، او بتعبير اخر، البعد التدويني الشعري في تلك النصوص، كما كان شاكر حسن ال سعيد يستقرئ اثار الجدران الملطخة بمزيد من البقع ليستخلص منها ما يشكل عملا فنيا له فرادته الاسلوبية، والدلالية، وهو ما كان يفعله انسان الكهوف حينما كان يطابق بين صور ذاكرته وبين نتوءات وبقع واثار جدران الكهوف التي كانت نتوءاتها تستثير ذهن رجل الكهف فيبدع رسومه للحيوان الكامن في مخيلته بتأثير تلك النتوءات التي ستشكل أجزاء الحيوان المرسومة بها وعليها.

يؤسس جعفر طاعون استراتيجيته في معرض الرسم الشخصي المقام حاليا (حزيران 2023) في قاعة الاندي في العاصمة الأردنية عمّان، بأنه تواشج لفعل علتين يستحيل فصلهما على نحو كامل: (الِعِلَّةٍ الماديَّة) بمبدأ الصلابة، والديمومة، والرتابة الجميلة المنبثقة عنها، وبين الاُزهرار والتجمل الازلي (للعلة الشكلية) وما تنتجه من جمال هو نتاج الحاجة إلى الإغراء؛ فكان جعفر طاعون، في الشطر الذي انتجه من المعرض، أي جانب الرسم، الى الوجود الشيئي للمادة رسما وحتى شعرا.

لقد كانت اهم سمة لتجربة الرسام جعفر طاعون انها تنطلق برأينا من داخل الرسام ذاته، فقد أعاد تشكيل اسسه الفكرية في فهم فن الرسم دونما اية مقدسات وثوابت قبلية كان الفن العراقي يرزح تحت وطأتها عبر اجيال من الرسامين، وهو ما شكل عقبة يمكن وصفها بالابستمولوجية طالما هي تعيق تطور المعرفة اذا لم تنسجم معها باعتبارها شرطا قبليا لتحقق صفة الرسم، فقد أعاد جعفر طاعون النظر بذلك، وأعاد تعريف كل شيء في الفن، فلم تعد لديه حدود يُمنع تجاوزها، ولا (قواعد) عششت عقودا في اذهان أجيال من الرسامين والنقاد والمتلقين باعتبارها انساقا؛ فغدت الفنون، والابداعات، والمواد عند جعفر طاعون تخوما متداخلة، ومياها إقليمية لبعضها بعضا، وغدا الرسم بطبيعته المادية قابلا للتواشج مع (مادية) الشعر التدويني الذي ينتجه الشاعر ادونيس؛ فغدت تجربة جعفر طاعون ذات طبيعة (دينامية متواصلة) لا يقر لها قرار، فإضافة الى ان اللوحة لم تعد محكومة بمسبّقات نظرية، فإنها غدت مشروعا مفتوحا للتواشج مع ابداعات من طبيعة مختلفة واهمها الشعر؛ فكان هذا المعرض تتمة لمحاولات سابقة استلهم فيها نصوصا من شعراء اخرين منهم الشاعر حسين عبد اللطيف، وهو ما شكل رؤية واضحة لفهمه المختلف لطبيعة سطح اللوحة باعتبارها (ظاهرة بصرية) لا تحدّها مضامين، أو أشكال، أو موتيفات (محلية) تقوم مقام الشرائط التي لا تتحقق صفة الرسم إلا بها، وكانت نهجا هو ليس (الرسم بلا شكل) تماما، بل هو الرسم الذي يغدو الشكل فيه (فاعلية عرضية) بل ناتجا عرضيا لوضع اللون (المادة بالمعنى الاوسع) على سطح اللوحة.

ان ما تخلقه مساحات اللون من اشكال تتشكّلٌ بفعل الخطوط الوهمية الكفافية التي تحيط مساحات اللون، او تتشكل بفعل الطبيعة الملمسية لمواد الرسم، أو لحدوث (مستحثات) تماثل اثار الجدران غير مقصودة، كلها تهيمن على عين المتلقي، وقد توحي “بطرائق أعمق تصطاد بوساطتها الحقائق المستحوذة علينا.. في أكثر نقاطها حيوية” كما يقول فرنسيس بيكون. لم يعد هنالك الم، هو ما يسميه البعض (دراما) الرسم وعندهم هي تنبعث بفعل لا إرادي، ومن مصدر غامض خبيء وعصي علي الامساك والتقنين او الشرح، وقد تنبعث بتأثير التركيبة اللونية للوحة، حينما تكون تلك التركيبة اشد قسوة وإقلاقا مما يحدث من الأشكال المشوهة التي يرسمها الآخرون لهدف درامي.

كانت تراكيب جعفر طاعون نمطا من الرسم، والأدق من المساحات اللونية المتآلفة بشكل مغاير لا مرجعية له، فقد قطع الرسام صلاته بمرجعية التقليدية، وانغمس في لعبة الافتتان “بالمادة الحقيقية التي تصنع منها الصورة” من خلال مزاوجة حية وتلقائية بين التجريد (اللاشكلي) والطبقات الثرة للون الذي تم صنعه من (الطلاء الثقيل)، أشكال لون غامضة، ومهووسة، ومفتونة بأساليب (رسامي المادة)، حيث يكون السطح مستويا ذا عمق ضحل، أو ربما دون عمق، علي عكس تجارب بعض الرسامين المهمين الذين يبنون لوحاتهم من مستويين متراكبين: مستوي لونيا غائرا، ومستوي خطيا آخر يطفو فوقه، فعند جعفر طاعون، ينتفي الإحساس بالفضاء فلا نري سوي سلسلة من المساحات اللونية المسطحة التي تمتزج بالأرضية، التي توحي وكأنها جزء صغير من لوحة تم تكبيره مئات المرات، لتكون لوحته في النهاية رؤية مجهرية تم النظر إليها من خلال مجهر عملاق كبّرها بشكل مبالغ به واستثنائي، واحال الواقعة الخطية الى نص لم يتدخل به حينما تولى كتابته بخط يده الشاعر ادونيس ليحيط العمل الفني كجدار صلب او سور يحدد تمدد العمل ويحصره ضمن مدياته الشكلية وربما الدلالية.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.