علاء المفرجي

قليلة هي الكتب التي تبحث في قضية النسوية، وأقل منها الكتب المتخصصة في الفكر النسوي وتاريخه وفلسفاته، ومن الكتب الجديدة التي تطرق هذا الباب كتاب(النسوية العمومية) للدكتورة نادية هناوي، الصادر مؤخرا عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع ببغداد.

وفيه تضع المؤلفة جملة أسس وتصورات حول اـلدراسات النسوية، منطلقة من عدِّ أهمية النظر المستقبلي للنسوية بوصفها علما وفكرا وتاريخا، وعن ذلك تقول: (دخل علم المستقبليات منذ أمد ليس بالقليل في مختلف ميادين الحياة المعرفية ومرافقها التنموية، لكنه لم يطرق باب النسوية بالقوة نفسها التي طرق بها أبواب السياسة ودهاليزها المعتمة، وولج الى الاقتصاد ومسالكه المتروبولية ومركزياته الجيوبولوتيكية).

والنسوية العمومية هي عماد الكتاب وتعني عد المرأة كياناً قائماً بذاته، ومن خلاله يمكن استكشاف الراهن واستشراف القادم على المستويين الفردي والجماعي وبما يساعد في فهم ظواهر النسوية المعاصرة واستبطان خفاياها بشكل معرفي عميق عبر وضع المنهجيات وتحديد الآليات التي تفيد النسوية محلياً وعالمياً على مختلف الصعد الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والسياسية. ومما تسعى إليه الدراسات النسوية التحديد المستفيض لمآلات المرأة في خضم التحديات المجتمعية والمتغيرات الحياتية والثقافية التي تواجهها، تأشيرا على الحدود والاشكاليات مع رسم الاستراتيجيات التي بها تتحصن النسوية من المناحي التي قد تتضاد مع مصالحها وتخالف تطلعاتها.

وحددت د. نادية هناوي الصيغ التي بها يمكن النظر إلى النسوية راهنا ومستقبلا ومن تلك الصيغ رصد ما تتخذه الكاتبات والناقدات من مواقف ورؤى بها يثبتن عموميتهن واتساع توجهاتهن التي لا تعرف حداً أو مجالا مع تطويع المفاهيم والممارسات والأطر والمستويات بطرائق وكيفيات متنوعة وربما متغايرة من أجل غد نسوي جديد ومتقدم فضلا.

وتؤكد د. هناوي أن الحديث عن رؤى نسوية مستقبلية كظواهر ووقائع وإشكالات ليس ضربا من التخمين أو أحلاما تركن إلى الحظ والنصيب، بل النسوية فرع من فروع المعرفة، له أسسه العلمية المنضبطة والمنهجية. وهو أمر عرفه الغربيون منذ بدايات القرن العشرين ثم تعزز بالنظريات والتوجهات ما بعد الحداثية.

وتحذر الدكتورة هناوي من خطورة ترك قضية النسوية بلا دراسات مستقبلية، والسبب أن الوعي النسوي ليس رهين الحاضر والنسوية ليست طارئة أو فائضة فهي ميدان بحثي لا مجال للاستغناء عنه. ومن خلاله يمكن معاينة كل زوايا النظر النسوي معاينة ثلاثية الأبعاد لا تهتم ببعد على حساب بُعد آخر، وبالشكل الذي يلم شتات الصورة المؤنثة، سواء أ كانت تلك الصورة مادية كلية أم تخصيصية فردية. ولن يتحقق ذلك من دون وجود مراكز تدعم الدراسات النسوية.

وما ترجوه المؤلفة هو أن يكترث الوسط الجامعي العربي لأمر الدراسات النسوية المستقبلية فيبادر الى فتح أقسام متخصصة للدراسات النسوية وأن يدعمها بمختلف أشكال الدعم المعنوي والمادي وبما يمكن هذه الأقسام من أداء مهامها في رصد الحاضر النسوي العربي وبناء تصورات نظرية لمآله العملي القادم على أساس من خطط مدروسة ومنهجيات معدة وبرامج مرسومة وأبحاث رصينة وتصورات مرنة توطد مكانة البحث العلمي من جهة وتؤكد الدور النسوي الخاص في هذا المجال من جهة أخرى.

وترى د. نادية هناوي أن تأسيس مركز بحثي للدراسات النسوية في بلادنا العربية ليس في متناول اليد على المدى القريب لاسباب كثيرة أهمهما حصر أصحاب القرار معنى النسوية بالمسائل الحقوقية والاجتماعية والقضايا الأسرية مثل الزواج والطلاق والنفقة والرعاية والحضانة والتعليم..الخ. وكأن الدرس النسوي من الصغر والقدم ما لا يتخطى هذه الخانة الضيقة المطلبية المتعلقة بـالواقع الاجتماعي الراهن للمرأة.

ويقاس على هذا التقوقع في الفهم المستقبلي للنسوية القضايا والظواهر الاخرى التي لها صلة بالمرأة ويتعامل معها تعاملا إعلاميا فلا يُعطى لها الاهتمام الكافي والملموس والحقيقي، مما ينعكس من ثم في رسم خريطة المستقبل الإنساني القادم الذي ينبغي أن توفر فيه للمرأة كل الامكانيات وتتضافر الجهود متوجهة بالنسوية وجهة بحثية وإنسانية حرة.

واعتمادا على هذا الرصد المستقبلي للنسوية تضع الدكتورة نادية هناوي أطروحتها في النسوية العمومية بوصفها منظومة كلية هي ضديد الأحادية ونقيض الخصوصية ومرادفة الشمول والموسوعية وقرينة الاجتماع والتعدد ورهينة الانفتاح والتنوع وهدفها تهيئة الحاضن الثقافي المعرفي الذي يؤسس لعلم النسوية وفيه تستودع مختلف الصور والرؤى النظرية وبأشكال ونماذج إجرائية ودلالات ظاهرة ومؤثرة. وتختصر د. هناوي النسوية العمومية بقولها:(إنها كليّة أنثويّة، تتجلى فيها نسويّة المفرد المؤنث، وما الجمع بيد الاجتماع والأحادية مجرد تهويم وفنطزة؛ بل فرضية منطقية بها تتعدى النسوية منطقة نقد الذات ورفض الآخر فلا تتقاطع كينونة امرأة مع مجموع نسوي يماثلها عبر إستراتيجية تنظم عمل مكونات هذا المجموع بلا صهر لفردية المرأة فيه أو إذابة لواحديتها التي تظل مستقلة وإن مثلتها نسوية الكل).

هذا وتضمن الكتاب فصولا خمسة مع تمهيد وخاتمة، عني الفصل الأول بالتتبع التاريخي واهتم الفصل الثاني بتوطين مفهوم النسوية العمومية نظريا وتوصيف أبعاده الفلسفية، وركز الفصل الثالث على تعيينات النسوية العمومية كأبعاد جنوسية ومعرفية وفردانية. وإذا كانت الفصول الثلاثة الآنفة قد اهتمت بمشروع النسوية العمومية من منظور رؤيوي خالص، فإن الفصل الرابع أولى الجانب التأويلي اهتماماً من ناحية التمثيلات الاجرائية واستغوار العمومية ما بين أنساق الفكر النسوية وآفاق السرد الإبداعية. واهتم الفصل الخامس برصد بعض إشكاليات تطبيق مفهوم النسوية وسوء فهم مقاصدها تقاطعا وتمكينا ومساواة. أما خاتمة الكتاب فكانت استقراء تحصيلياً لما يمكن للمرأة المثقفة أن تؤديه من دور في مسارات المجتمع وتحولاته الراهنة.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.