التي تبشّرُ بها التطورات التقنية المتسارعة في الذكاء الاصطناعي ، وهي تطوّرات لم تأتِ مفاجئة أو غير متوقّعة بل كانت مدار كشوفات بحثية معمّقة منذ عقود بعيدة .

لعلّنا نعرفُ جميعاً بعض طبيعة الكلام الذي يثارُ حول الفتوحات التقنية المستجدّة في حقل الذكاء الاصطناعي ، وهي فتوحات عنوانها الأشمل ( روبوتات المحادثة ) على شاكلة ChatGPT الذي طوّرته شركة OpenAI إحدى الاذرع التقنية للعملاق الرقمي ( مايكروسوفت ) . إنّ تطوير روبوتات المحادثة إلى حدود معقولة ، وبغضّ النظر عن مدى بدائيتها الحالية ، يعني أنّ البشرية قد تكون على عتبة تحقيق أولى معايير الذكاء الاصطناعي الآلاتي ؛ أي بمعنى القدرة على تخليق آلات تمتلك بعض القدرات المناظرة للقدرات البشرية من حيث التفكير التحليلي المُسَبّب ، والمساءلة المنطقية ، والقدرة على التعامل مع المعطيات واستخلاص قيمة مفيدة منها يمكن أن تكون عنصراً مؤثراً في توجيه العقل البشري ( البيولوجي ) . يمكن أن نسمّي هذه العتبة ( عتبة تورنغ Turing Thtreshold ) ، التي وصفها العالم الحاسوبي والرياضياتي البريطاني الاشهر ( آلان تورنغ ) أفضل وصف في مقايسته الصارمة : إذا ماكان البشر يتعاملون مع مصدر ما عبر جهاز حاسوب ( مثلاً ) ولم يستطيعوا التمييز بين – أو معرفة – أنّ مايتعاملون معه هو كائن بشري أم آلة فعندئذ نستطيع الحديث عن عصر آلات ذكية . لابدّ للقارئ الشغوف بمعرفة شيء معقول عن الأساسيات المحرّكة لعالمنا من الوجهة التقنية – وبخاصة في الجبهة القائدة لهذه الاساسيات وهي الذكاء الاصطناعي – من معرفة بعض الشيء عن عمل ( آلان تورنغ ) أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها ، وبخاصة مقايسته الشهيرة ( مقايسة تورنغ ) بشأن تحديد معيار تكون عنده الآلات ذكية .

يكمن التميّز الهائل الذي تختصّه الآلات الذكية بالمقارنة مع البشر ، وبغضّ النظر عن مديات ذكائها ، في خصيصتين إثنتين : قدرتها على التعامل مع البيانات الكبيرة Big Data ، وسرعة معالجة هذه البيانات بمعدلات تفوق كثيراً سرعة المعالجة البشرية . في المقابل لايزال البشر يحتكرون بعض الخواص الابداعية التي بقيت خارج نطاق التعامل الآلاتي وإن كان كثير من خبراء الذكاء الاصطناعي يرون أنّ هذه المعضلة ليست سوى مسألة وقت قبل أن تتمكّن الآلات من ولوج الفضاء الابداعي الذي ظلّ إحتكاراً بشرياً خالصاً .

يمثل الذكاء الاصطناعي في عصرنا الحاضر ملعبة اشتباك معرفي أكثر تعقيداً من أي حقل تقني آخر . لم أزل أذكر تلك المقالة الرؤيوية الرائعة التي كتبها الفيزيائي وأحد مطوّري الذكاء الاصطناعي ، ديفيد دويتش David Deutsch عام 2012 في صحيفة ( الغارديان ) بعنوان ( الفلسفة ستكون المفتاح الذي يفكّ مغاليق الذكاء الاصطناعي )* حيث العبارة الافتتاحية تقول وبكيفية تنمّ عن رؤية إستبصارية كاشفة « الذكاء الاصطناعي ممكن ؛ لكنّ الامر سيحتاج أكثر من علوم الحاسوب والعلوم العصبية لتطوير آلات تفكّر مثل البشر « .

( لافعلَ مؤثراً يمكن أن يتحقق من غير معرفة حقيقية وجادة بالاصول والمنابع الفكرية والفلسفية ) أوقنُ كثيراً بصوابية هذه العبارة وقيمتها الاجرائية الفاعلة . لاأحد منّا سيمتلك القدرة على التطوير والتغيير من غير معرفة رصينة لاتقتصر على الحيثيات التقنية بل ترتفع إلى مديات التخوم التاريخية والفلسفية للموضوعات المبحوثة . المعرفة توفّرُ الشغف اللازم للاستمرارية في البحث والتطوير والتطلّع إلى مستقبل أفضل من حيث إمكانات العيش على الصعيد الفردي ، ومكانة البلد الستراتيجية على الصعيد الجمعي .

كُتِبَت العديد من الكتب حول الذكاء الاصطناعي بكلّ تفريعاته البحثية ، وقد سبق لي أن تناولتُ بالمراجعة في ثقافية ( الشرق الاوسط ) أكثر من كتاب منها ، وهي في المجمل كتب يمكن تبويبها في فئتين : كتب تقنية خالصة ، أو كتبٌ وصفية لبيئة العيش في أماكن يسودها الذكاء الاصطناعي ( العادي أو العميق ) . يضاف لذلك فإنّ معظم الكتب السائدة كتبها أناسٌ خبراء أو مهندسون تقنيون يهتمون بالتفاصيل الاجرائية الدقيقة ( لغات برمجية ، نظم خبيرة ،،،،، إلخ ) أكثر من الصورة البانورامية التاريخية والفلسفية لما يمكن أن يكون عليه الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب والبعيد . أعتقد من واقع خبرة قرائية معقولة ومقارنة للكتب المنشورة أنّ مَنْ تناول موضوعة الذكاء الاصطناعي بكتاب أو أكثر ، وكان سبق له أن نشر كتاباً منهجياً Textbook ، ربما يكون أقدر من غيره في مقاربة الموضوعات البحثية وعرضها في سياق فلسفي – تاريخي جذاب وشديد الامتاع .

أحد أهمّ البحّاثة الخبراء في موضوعة الذكاء الاصطناعي بكلّ جوانبها التقنية والمعرفية والفلسفية هو جورج ف. لوغر George F. Luger ، المولود عام 1940 ، والذي تقاعد عن عمله أستاذاً مميزاً في قسم الحاسوب بجامعة نيومكسيكو عام 2013 . لندققْ بعض الشيء في خبرات لوغر : حصل على شهادتي ماجستير في الرياضيات الصرفة والتطبيقية ، ثم حصل على شهادة دكتوراه من جامعة بنسلفانيا عام 1973 ، أعقبها بخمس سنوات بحثية لمابعد الدكتوراه في جامعة إدنبرة بأسكتلندة حيث ساهم في تطوير العديد من أوائل النظم الخبيرة Expert Systems ، وكذلك تطوير لغة البرولوغ وهي إحدى اللغات الخاصة بالبرمجة الحاسوبية . عندما إنضمّ لوغر إلى قسم الحاسوب بجامعة نيومكسيكو حرص أن يكون أيضاً أستاذاً في كلّ من قسمي علم النفس واللغويات ، هذا مايعكسُ شغفه البحثي المشتبك والمتداخل ، وتلك هي الخصيصة اللازمة لكلّ من يسعى لعمل بحثي رصين في ميدان الذكاء الاصطناعي . كتب لوغر كتابه المنهجي ذائع الصيت في أقسام علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي ، وعنوانه ( الذكاء الاصطناعي : البنى والستراتيجيات لحلّ المسائل المعقّدة )

Artificial Intelligence: Structures and Strategies for Complex Problem Solving

الذي صدرت طبعته السادسة منذ سنوات قريبة .

أحدثُ كتب لوغر هو كتابه ( معرفة عالمِنا : منظورٌ من الذكاء الاصطناعي )

Knowing Our World : An Artificial Intelligence Perspective

الذي نشرته دار نشر سبرنغر عام 2022 .

هذا الكتاب سياحة فلسفية في عالم الافكار المضيئة ، وستجعلك قراءته تدرك أنّ الافكار التي نحسبها عادية إنما يمكن أن تكون منصّة شروع لأفضل وأرقى التطويرات التقنية والعلمية .

يبدأ لوغر كتابه بمقدمة تغلب عليها المساءلة الفلسفية للتاريخ البشري . يكتب في سطوره الاولى :

« ولدْتُ – مثل العديدين منّا – واقعياً ساذجاً ، مؤمناً بأنّ حواسنا توفّرُ لنا إدراكاً مباشراً بالأشياء كما هي في حقيقتها . وثّق العديد من علماء النفس والفلاسفة العمليات التطوّرية التي يخوضها الاطفال العاديون نحو معرفة أنفسهم وعالمهم … « ثم يمضي في القول :

« كانت ثمة تحدياتٌ مهمة في الطريق . التقليد الوجودي دَعَمَ الشكوكية مابعد الحداثية ومابعد البنيوية ، وعلى أساس هذه الرؤية الوجودية فإنّ الاساس المكين ذاته الذي أقامت عليه الثقافات الغربية أفكارها عن المعرفة والحقيقة والمعنى باتت خاضعة للمراجعة والتمحيص . حلّت حقبة من النسبوية العدمية راحت تخترق الافكار التي وَعَدَ بها عصرُ الانسانية والتنوير ….. « .

تصوّرْ ! هذه اللغة الفلسفية الرفيعة والجذابة في مقدّمة كتاب يتناولُ الذكاء الاصطناعي من جانب قدرته على إعادة تشكيل رؤيتنا لعالمنا .

ينطلق لوغر بعد مقدمته الفلسفية المشرقة في متن الكتاب الذي جعله في ثلاثة أجزاء : الجزء الأوّل ( وعنوانه « في البدء « ) يتناول الاسس التاريخية والفلسفية لعملية تخليق البرامج الحاسوبية ، وفكرة الاحتساب Computing ذاتها ، وكيف بلغنا وضعنا الراهن في سياق تطور الذكاء الاصطناعي . سيمرّ القارئ على عناوين من شاكلة : ماري شيلي ، فرانكشتاين وبروميثيوس ، الفكر الاغريقي المبكّر ، الاغريقيون الأواخر : أفلاطون وإقليدس وأرسطو ، الفلسفة الحديثة مابعد القروسطية . سيمرّ القارئ بحشود من الاسماء الفلسفية اللامعة كذلك : هوبز ، لوك ، هيوم ، سبينوزا ، كانت ، ديوي ،،،، إلخ . أحبّ كثيراً هذه الطريقة التي تعرض المنجزات الفلسفية في سياق معرفي شامل بدلاً من أن تكون منجزات تبدو إنفرادية متعالية على الشأن البشري وديناميات الحياة اليومية .

يخصص لوغر الجزء الثاني من كتابه للحديث عن الذكاء الاصطناعي الحديث والموضوعات المرتبطة به ؛ أما في الجزء الثالث فيتناول تحديث المبدأ الواقعي Realism بمقاربات مستمدّة من الموضوعات البحثية الاكثر تداولاً في الذكاء الاصطناعي المعاصر .

أظنُّ أنّ لي شغفاً عارماً بالذكاء الاصطناعي منذ سنوات ليست بالقليلة ؛ لكنّ متعة قراءة كتاب لوغر ( معرفةُ عالَمِنا ) لاسابقة لي بها في كتب أخرى . لو أتيحت لي الفرصة والعزيمة لترجمة هذا الكتاب إلى العربية فسيكون هذا الفعل أفضل إشارة لأهمية هذا الكتاب في بناء الثقافة العربية المعاصرة التي يجب أن تكون مباحث الذكاء الاصطناعي أحد أعمدتها الاساسية .

* عنوان المقالة باللغة الانكليزية :

Philosophy will be the key that unlocks artificial intelligence

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.