د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

تتمظهر العِمَارَةُ بالتصميم والتعبير (مثلما تتمظهر، بالطبع، في صيغ اخرى عديدة)، لكن هاتين الصيغتين هما الاكثر تداولاً في الخطاب المعماري،

وكلاهما بالتالي اساسيتين. فالتصميم هو الذي “يمنح” العِمَارَة حضورها الفيزياوي الذي به تتجسد مختلف فضاءاتها العديدة وتتمظهر في المكان. اما التَعْبِير (إن كان عبر المفردات النصية ام من خلال التشكيل) فانه يسعى وراء زيادة فهم العمارة وإدراك قيمة قراراتها التكوينية واهميتها الوظيفية والجمالية والانشائية. من هنا تنبع قيمة هاتين الصيغتيّن الاثنتيّن في مهام اكساب الفعل المعماري المتحقق جدارته وجدواه. بيد ان أهمية هاتين الصيغتين ترتقيان مكانة عالية من الأهمية عندما تنسبا الى المعمار/ المصمم ذاته، فتغدو العمارة المنجزة حيذاك، بعد أن أوفى المعمار، تصميما وتعبيرا، كل ما كان مطلوبا منه، تغدو غاية في الوضوح وفي تبيان القصد. ويبقى المتلقي، في الاخير، حراً في تقبل تلك العِمَارَة أو العزوف عنها، طبقاً لرؤياه المعرفية وذائقته الجمالية.

وعموماً فان العِمَارَةَ، كما نزعم، وان صمتت، فهي تبقى ناطقة؛ ويشي صمتها باهدافها وبغاياتها وبمدلولاتها. وكما يقول <عمنا> “ابو عثمان الجاحظ (776 – 869 م): “الأجسام الخرس الصامتة ناطقة من جهة الدلالة، ومعربة من جهة صحة الشهادة، على أن فيها من التدبير والحكمة مخبر لمن استخبره، وناطق لمن استنطقه””. ننوي من خلال سلسلة مقالات (نأمل بنشرها في هذة الزاوية بصحيفة المدى الغراء)، ستُكرّس لمهمة إدراك العِمَارَة المتحققة عند “الآخر” من خلال التصميم والتعبير. وسيتم ذلك عبر اصطفاء نماذج معمارية مصممة من قبل معمار معروف ومن خلال التذكير بأقواله اي تحقيق حضور <الافعال والاقوال> جنبا الى جنب، بغية فهم اعمق لما هو مجترح من ابداع مهني؛ طامحين الى توسيع نشر المعرفة المهنية في اوساط مجتمعية واسعة، مثلما نبتغي الى ايلاء اهتمام لاشكالية “الآخر”، المولع شخصياً في ثيمتها المعرفية العالية، والساعي الى تبني حضورها في الخطاب المحلي، زيادة في اثراء المعرفة وتوسيع مجالات الادراك فيما يخض اشتغالات الفكر المهني العالمي المعاصر وقضاياه الانية الملحة.

وسنبدأ هذة الزاوية بالحديث عن ما صرح به المعمار العالمي “ماريو بوتا” مع نشر احد اعماله المميزة:

“ماريو بوتا”

ولد المعمار السويسري “ماريو بوتا” Mario Botta في عام 1943 بمدينة “مندريسيو” Mendrisio بسويسرا. حصل على دبلوم في التصميم الفني، ثم تخرج في مدرسة الفنون في ميلانو والمعهد المعماري بجامعة فينيسيا. ثم عمل في مكاتب لو كوربوزييه ولويس كان.

أسس مكتبه الخاص في عام 1970 في لوغانو Lugano. تُعّد مقاربته التصميمية ضمن مفهوم الحداثة بشكل أساسي، متأثراً بشدة بنتاج لوكوربوزيه وكارلو سكاربا C. Scarpa ولويس كان. في حين يعلن المعمار نفسه التزامه بالحتمية التاريخية – أي أن مشاريعه هي انعكاس للعصر.

تولي عِمَارَة ماريو بوتا نوعاً من الاهتمام المفرط بمحيطها الطبيعي وشواهد البيئة المبنية المجاورة. وتميل تصاميمه بتأكيد احساس قوي “بالهندسية” المستندة على اشكال صافية وبسيطة مع الاهتمام باستخدام الآجر المشوي باشكاله المتنوعة. صمم عدة مبانٍ سكنية وابنية دينية في مختلف انحاء العالم كما صمم العديد من المتاحف الفنية في مدن عالمية كثيرة.

في لقاء معه منشور عام 1986 يجيب “ماريو بوتا” عن سؤال طُرِح عليه كالآتي: ثمة موضوعات مثل النظام الهندسي، الاحساس بالمكان، وتكتونية الانشاء والمواد، فضلا على اهمية الضوء، كلها مواضيع اثيرة لديك ودوما تؤكدها في احاديثك عن عملك، هل يمكنك توضيح ذلك الاهتمام بتلك الموضوعات؟ وقد اجاب المعمار السويسري بما يلي:

– سأحاول الاجابة عن هذا السؤال فقرة تلو آخرى.

اولا- النظام Orderـ بالنسبة اليّ هو مصفوفة للبراعة، وهو نوع من تجسيد للفكر والعقل وعلاقة ذلك مع العالم الطبيعي. فالعِمَارَة هي نوع من نشاط تتحول فيه الطبيعة الى الثقافة. والنظام الذي غالباً ما يستند على الهندسية لهو الاداة في ذلك التحول هذة. انا شغوف بعنصر النظام، بالمنطق بوصفهما مظهراً وإداةً في موازنة مع العالم الطبيعي. ان تجاور العناصر الاصطناعية مع الطبيعية يخلف نوعا من علاقة وصدام واللتان بهما يتم التشديد والترميز على الحدث المعماري.

ثانيا، الاحساس بالمكان او الموقع. ان الخطوة الاولى في النشاط المعماري تتمثل في “استحواذ” الموقع وتملكه. انه عمل واع يجري في تحويل خصائص ذلك الموقع من تفرد وادراك لتأسيس نوع من تدخل في جغرافية وتاريخ وثقافة ذلك الموقع المحدد؛ فالعمارة هنا، هي “تعمير” هذا الموقع. انه ارض خاصة للعِمَارَة مثلما هو شرط اساسي لمعرفة القوانين التى يتعين على المرء ان يراعيها في البناء.

ثالثاً: الانشاء والمواد الانشائية. وهما ادوات الحرفة ذاتها، فمن دون الانشاء لا توجد عمارة. وانا اعتبر بان الحاجة الفسيولوجية للحماية، تتحقق في العِمَارَة من خلال استعمال وادراك المواد الانشائية. عندما اقترب من مبنى قديم اشعر بحاجة الى لمسه للتحقق من صلادته وقوامه وبنيته. انها جزء من حاجة الانسان البدائية لمعرفة وتمييز عناصره المختلفة. وهذا هو الباعث الذي يجعلني ان اعبر عن البُنى وعن المواد على حقيقتهما. فلا يوجد شئ اسمه مادة جيدة او رديئة، فالمواد اما تستخدم بشكل جيد أو سيئ!

رابعا واخيرا، الضوء. انه المُجترح الحقيقي والمُولّد للفضاء، فمن دون الضوء لا يوجد فضاء. شخصيا اتوق لتوظيف الضوء باعتباره “حاملاً” للتكوين. فالهندسية تأتي عادةً كمكون اساسي خاضع للضوء، في حين يحدد الضوء التسلسل الهرمي للتكوين. كما ان التناظر والهندسية تعملان كمادتين موازنة ومعادلة للضوء. يربط الضوء فعليّاً العِمَارَة بالسماء وبالكون. انه العنصر الذي يجسد فكرة العِمَارَة ككينونة تقف ما بين الارض والسماء. واعتقد ان هذا هو دور الضوء الرئيسي في مقاربتي المهنية”.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © أخبار العراق اليوم. جميع حقوق النشر محفوظة.